هل تحتاج النساء إلى التعليم ؟
منقول (دانيال حقيقتجو)
ترجمة (سعد عبدالحكيم)
هل تحتاج النساء إلى التعليم ؟
هل يحتاج الرجال إلى التعليم ؟
ما هو التعليم ؟
لا يوجد جدوى من الإجابة على هذه الأسئلة اذا كنت ستتبنى الثقافة والقيم الغربية أو إلباسها الثوب الاسلامى.
إن القدر الأعظم من النتاج الدينى و الفكرى الاسلامى فى الأعوام ال200 الماضية يتلخص فى أخذ القيم الغربية وادخالها بشكل مصطنع إلى الاسلام بطريقة مهينة ومذلة.
هل أسس الإسلام مصطلح حقوق المرأة ؟
– لا لم يفعل.
هل روج الإسلام للديموقراطية ؟
– لا لم يفعل.
هل دافع الإسلام عن حقوق الانسان ( بمفهومها الحالى ) ؟
– لا لم يفعل.
هل دعا الإسلام لقيادة المرأة ؟
– فى الواقع, على النقيض تماما.
من اكبر نقاط الضعف التى نواجهها من بين كل الضعف الذى نمر به هو عدم القدرة على تحديد الواقع بمعزل عن التحيز للفكر الغربى.
أعطنى تحليلا واقعيا ( على سبيل المثال ): ما هو الشيء الجيد فى تعليم البنات فى الانظمة التقليدية المعتادة من المدارس الاعدادية والثانوية الى المرحلة الجامعية؟
هيا حاول أن تجيبنى. نسبة كبيرة ( محرجة ) من المسلمين سيشعروا بالاهانة فورا دون ان يعطوا السؤال ثانية من التفكير نسبة أخرى محرجة ستكون اجابتها على النحو التالى:
– نحن نحتاج طبيبات مسلمات
– هناك عالمات مسلمات فى الاسلام
– أنت متطرف
هذا هو مستوى التفكير الذى يطرحه الناس عند المناقشة كيف سنعيد الخلافة ونعيد مجد الأمة بينما عقولنا مسجونة ومنساقة بالمعايير الغربية الحديثة للحق والباطل والحقيقة والزيف ؟
فلتأخذ فى اعتبارك هذا التحليل, هذا رأيي. ربما يمكنك ان تفكر بشيء أفضل ان حاولت.
هل تحتاج ابنتى للتعليم ؟ يعتمد هذا على ما نقصده بالتعليم, وعلى ما تحتاجه المرأة بالفعل.
تحتاج المرأة أن ترضي الله لكى تدخل الجنة.
وأنا أريد لابنتى أن تدخل الجنة, وأريد لها أيضا حياة سعيدة.
هل يسهم التعليم فى تحقيق أيا منهما ؟
ما هو التعليم ؟
التعليم العلمانى ( الدنيوى ) والذى يتوج فى الأخير بشهادة جامعية.
ما الذى يتم تدريسه ؟
يعتمد هذا على التخصص. يمكن أن يكون مهنيا, على سبيل المثال : ( الطب , المحاماة , الهندسة , وما الى ذلك ) و يمكن أن يكون ثقافيا. على سبيل المثال : ( دراسات المرأة , الفنون , التاريخ , وما الى ذلك ).
ما هى ايجابيات و سلبيات كلا النوعين ؟
التعليم الثقافى أشبه بالتلقين العقائدى, ما هى القيم التى وضعها الاسلام فى التعليم للمسلمين ؟ فلنأخذ الأدب الفرنسي أو الفلسفة الغربية على سبيل المثال.
بماذا تفيد هذه العلوم المسلم فى الآخرة ؟
بالاضافة إلى أن هذا النوع من التعليم مرتبط ارتباطا وثيقا بضعف الايمان وحتى الردة عن الاسلام أيضا إذا أردت أن ترتد ابنتى عن الاسلام فهناك أماكن أفضل من الجامعة أرسلها إليها لتلقينها هذه الفلسفات.
مقابل كل مسلمة تسمع عن تخرجها وهي محافظة على دينها و هويتها هناك 100 اخريات فقدن هويتهن و دينهن ولم تسمع عنهن لأن الاهل يخجلون مما حدث.
ماذا عن التخصصات المهنية ؟
بالنسبة لابنى : فهو مطالب بإعالة زوجة و أطفال, الرجل فى هذا العالم مطالب بالعمل الشاق مقابل كسب أجر يعيله ( النظام الأبوى ) هذا المجهود الشاق أمر لا مفر منه ولا إرادى فان كان يمكنه الحصول على التعليم لزيادة قدرته على الكسب بأريحية دون اللجوء للأعمال الشاقة فهنا يكون الأمر مجدياَ.
بالنسبة لابنتى: فهى غير مطالبة ( وفق الشريعة الاسلامية ) بالانفاق على أحد, ولا حتى نفسها. لذلك ليس هنالك حاجة للتعليم المهنى, كما أن هذه الوظائف المهنية معظمها لن يكون فى بيئة مناسبة اسلاميا ( من حيث الاختلاط وخلافه ).
فإذا العمل يعارض أهدافى من أجل ابنتى. بافتراض أن ابنتى متوسطة الذكاء, فلن يكون لديها معدل الذكاء العالى لتكون طبيبة, ناهيك عن أن تصبح طبيبة جيدة. غالبية النساء فى نفس المعسكر, هذا هو الواقع.
النظام التعليمى تم تصميمه لتحويل الناس الى قوى عاملة تساهم فى زيادة الناتج المحلى القومى, هذه هى الحقيقة وهذا الغرض من العملية التعليمية وانا شخصيا غير مهتم بالتضحية بابنتى فى سبيل زيادة الناتج المحلى القومى.
وحتى اذا كانت صاحبة معدل ذكاء عالى فليس من الضرورة أن أشجعها على هذا, هل سيدخلها عملها هذا الجنة ؟ احتمال! و لكن هناك أشياء أخرى من شأنها ان تجلب لها السعادة والمزيد من الرضا فى هذه الحياة.
يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ” ﺃﻳﻤﺎ اﻣﺮﺃﺓ ﻣﺎﺗﺖ ﻭﺯﻭﺟﻬﺎ ﺭاﺽ عنها ﺩﺧﻠﺖ اﻟﺠﻨة”.
لا يوجد حديث يربط دخول المرأة الجنة بكونها طبيبة ولهذا فإن من مصلحة ابنتى أن أعلمها كيف تصبح زوجة صالحة و أحرص على أن تطمح لتكون زوجة وام جيدة.
كيف يمكننى أن أعدها للنجاح فى هذا؟
كيف سيؤثر التعليم بالسلب على هذا الهدف ؟
لكي تصبح طبيبا, يتطلب الأمر 24 عاما على الأقل من التعليم المكثف والمتواصل. وحتى اذا سار الأمر على ما يرام وحافظت على ايمانها و هويتها … الخ , سيكون عليها أن تقضى ذروة شبابها وتضيع أفضل سن لها للزواج وهى تدرس.
هل يستحق الأمر ذلك حقا؟!
ماذا لو لم تستطع الزواج بعد ذلك؟
هل الأمر مجدى حقا؟
ما الذى تتخلى عنه بالضبط لتصبح طبيبة ؟
فلنفترض أنها تمتلك معدل ذكاء عالى. ولنفترض أنها لن تفقد ايمانها وهويتها الاسلامية خلال 3 عقود تقريبا فى التعليم ولنفترض أنها بعد التخرج ستتزوج ولنفترض أنها ستستطيع أن توفق بين عملها كطبيبة وكونها زوجة و أم و أنها لن تقصر فى دورها كزوجة وام لاطفالها فى رأيك, كم نسبة المسلمات التى تستطيع تحقيق كل هذه الاحتمالات معا ؟ جزء من واحد فى المئة ؟ أو أقل ؟
انه لمن الجنون التشجيع على شيء يكون ناجح فقط مع هذه النسبة الضئيلة جدا والهامشية.
ماذا عن المهن الأخرى ؟
الغالبية العظمى من النساء العاملات تعمل فى أعمال لا تتطلب أى تعليم مثل : الوظائف الخدمية ( كالسيكرتارية والاستقبال والمطاعم والفنادق والتنظيف ) أو العمل لدى نساء الطبقة العليا.
ان أكبر المروجين لتعليم الفتيات فى العالم الاسلامى اليوم هم رجال مسلمون من الطبقة المتوسطة العليا, والذين يريدون لبناتهم أن يعملن فى وظائف مرموقة مثل النساء الأوروبيات اللاتى يشاهدونهن على التلفاز ( أمر مثير للشفقة) والبعض الآخر سلم بصحة العبارة المبتذلة التى تقول : ( التعليم هو أهم شيء ) واقتنعوا بتلك الفكرة دون أدنى تدبر أو تفكير فيها, ولا يمكنهم أن يعرفوا أن هذا هو السبب الحقيقي فى انهم يفضلون تعليم بناتهم.
ما العمل فى حالة وفاة زوج ابنتى أو طلاقها ؟ سأقوم بإعالتها.
واذا مت ؟ سيقوم أبى برعايتها.
واذا مات أبى؟ سيقوم أخوها برعايتها.
واذا مات أخوها ؟ سيقوم أحد رجال العائلة برعايتها.
واذا كانت مقطوعة من شجرة ولا يوجد لها أى أقرباء ؟ يمكنها أن تتزوج مرة أخرى.
فالشي الجيد الذى قمت به هو أننى علمتها كيف تكون زوجة صالحة وبالتالى سيسعى الكثير من الرجال المسلمين للزواج بها.
ستخبرنى أنه من الأسهل لها أن تحصل على شهادة جامعية لتأمين مستقبلها فى حالة الطلاق أو الموت المحتمل ؟
لماذا ؟
أكررها مرة أخرى , الدراسة فى الجامعة لها تكلفة باهظة لأنها ستقضى ذروة شبابها و تضيع أفضل عمر لها يمكنها من تأمين أفضل زوج يمكن أن تحصل عليه.
فى الجامعة, قد تكون واحدة من غالبية الفتيات اللاتى يضيع ايمانهن وهويتهن. بعد التخرج, تحتاج إلى خبرة عملية ليصبح لشهادتها قيمة تستطيع ان تحصل على عمل بها, إذاَ هاتين سنتين اضافيتين تقضيهما فى العمل بدلا من أن تتزوج. وعندما ترغب أخيرا فى استخدام شهادتها للحصول على عمل عندما يموت زوجها ( بافتراض أنها مجبرة على هذا ) فلتأمل أن تكون شهادتها هذه مطلوبة فى سوق العمل فى بلدها, غير ذلك فإن كل هذا الوقت والجهد والمال كان هباءَ ( أنا حتى تجاهلت فى تحليلى فكرة أن العديد من الشهادات الجامعية تحتاج الى تكلفة باهظة, وهناك حاجة للحصول على قروض بفائدة لتمويلها) لذا فحجة أن الشهادة الجامعية تعتبر خطة احتياطية للفتاة فى حالة موت زوجها حجة ضعيفة للغاية.
فأين الجدوى إذا من تعليم المرأة ؟
اذا حدثتنى عن ضرورة العلم للمرأة فى الاسلام, فأنا بالطبع أتفق معك فطلب العلم ضرورة لكل مسلم و مسلمة. ولكن أى علم ؟
العلم الاجبارى لكل مسلم المقصود هنا هو العقيدة والعبادات والفقه وكل هذا يمكن تعلمه فى سن صغيرة, خلاف ذلك لا يوجد سبب لدفع ابنتى نحو الجامعة. واذا كان لديها اهتمام بالتعليم يمكنها أن تدرس طالما أنها تعطى الأولوية لتعلم كيف تكون زوجة و أماَ صالحة.
لقد قمنا بتحليل التعليم ومعرفة الضرر الناتج عنه و النفع المحتمل, كما أننا وضعنا التعليم فى مكانته الحقيقية و قيّمناه وفقا للنفع الذى سيعود عليها منه فى الحياة الدنيا و فى الآخرة. اذا نظرنا إلى التاريخ الاسلامى قبل الغزو الغربي, ستجد أن هذه هي الطريقة التي كان يربى المسلمون بناتهم بها, لن تجد اى دعوات تشجع الآباء على ارسال بناتهم للحصول على تعليم مماثل لما يتم الترويج له اليوم, لن تجد شيئا كهذا, كل هذا فقاعات حديثة ناتجة عن الغزو الفكرى الغربي.
هل بهذا أعيق ابنتى وأقف فى طريقها ؟
على النقيض تماما, سأكون عائقا لها اذا دفعتها نحو نموذج فاشل للحياة.
لقد تدمرت مؤسسة الزواج تماما فى الغرب. النساء أصبحن رجالا و لم يعد هناك تحديد لأدوار كلا من الجنسين. احصائيات الاكتئاب والمرض العقلى و المعاناة كافية لكل من لديه نظر, والتعليم الحديث له دور كبير فى زيادة تلك المعدلات.
هل أنا محدود التفكير فيما يتعلق بابنتى ؟
بالعكس, أنا أريد الأفضل لها وهذا هو المنطلق الأساسى لهذا التحليل سأقوم برعايتها دائما وتشجيعها – إن شاء الله – واذا كان لديها اهتمام او هواية ما سأنميها اذا كانت حلال و تتفق مع المعايير الاسلامية, لا يتعلق أيا من هذا بحصولها على شهادة جامعية ستعرضها للخطر بألف طريقة ممكنة ولن تجنى منها شيء باستثناء بعض القبول الاجتماعى من المجتمع الغربى المسمم.
بئسا لمثل هذا القبول.
_____________________________
هذا هو تحليلى ورأيي الشخصي, يمكنك التفكير على طريقتك ولكن اجعل مرجعك دائما الاسلام.
هناك سيناريوهات كثيرة تغاضيت عنها فى التحليل, ولكن أردت أن يكون تحليلى عاما وقابل للقياس على نطاق واسع, والله أعلم.
هذا أيضا ليس هجوم على البنات اللاتى يذهبن للجامعة طالما سيتمكنّ من اجتيازها بايمان سليم.
هناك العديد من المسلمات العظيمات ممّن ذهبن للجامعة, ولكن علينا أن نعيد النظر فى مدى التأثير الناتج عن هذا الطريق.
هناك العديد من المشاكل الجدية التى يجب الاشارة اليها, الادعاء بأن كل شيء على ما يرام والانسياق وراء الشعارات الفارغة يجعل الأمر أسوأ.
اللهم احفظ بناتنا و أعنا على تربيتهم بأفضل صورة.
والحمد لله رب العالمين.
لمن لا يعرف دانيال حقيقتجو: ولد دانيال حقيقتجو في مدينة تكساس الامريكية لعائلة لبرالية علمانية. انهى دانيال درجة البكالوريس بعلم الفيزياء والماجستير في علم الفلسفة من جامعة هارفارد الامريكية ودرس تحت اشراف افضل المعلمين في الفيزياء والفلسفة، بعض منهم حائزين على جائزة نوبل. درس دانيال الإسلام التقليدي على ايدي بعض علماء السنة الثقات. نشر دانيال في اخر عشر سنوات اكثر من 1000 مقالة تختص في شؤون المسلمين والحداثة بالإضافة الى إعطاءه العديد من المحاضرات في المساجد والجامعات. دانيال يقدم طرح مختلف عن كثير من الدعاة حيث انه يدافع عن جميع مبادئ الدين من دون تحرج او مبررات ويقدم الأدلة والبراهين الفكرية والتحليلية ليثبت أن الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية هم الحق المطلق ويركزعلى نقد الايدولوجيات الحديثة كالعلمانية والليبرالية والحداثة والنسوية والقومية. لا تنسوه من دعائكم فهو يقف وحيداً في وجه التيار الليبرالي المتأسلم الذي يهادن على حساب الدين والشريعة.
الاحتِفالُ بالمَولِد النَّبويِّ – شُبهاتٌ ورُدودٌ
منقول (عَلَوي بن عبدالقادر السَّقَّاف)
الحمدُ للهِ ربِّ العالَمِين، القائِلِ في مُحكَمِ التَّنزيلِ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا، وقدْوَتِنا، وحبِيبِنا وحبِيبِ ربِّنا، وقرَّةِ أعيُنِنا، وشفِيعِنا يومَ القِيَامة، محمَّدٍ بن عبدِالله وعلى آلِه وصَحْبِه ومَن تبِع هُداه إلى يومِ الدِّين.
أمَّا بعدُ:
فإنَّ ممَّا أحْدَثه الناسُ في القُرونِ المتأخِّرةِ بعدَ القرونِ الثَّلاثةِ الأُولى المُفضَّلةِ: الاحتفالَ بيومِ وِلادةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمَّا قرنُ الصَّحابةِ والتابِعين ومَن جاءَ بعدَهم، فلم يكُن أحدٌ فيه يَحتفِلُ بمولدِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، لا صحابتُه الأبرار، ولا مَن جاء بَعدَهم مِن العُلماءِ والأئمَّةِ المتبوعِين الأخيار، لا مِن أئمَّة الفِقهِ كأبي حَنيفةَ ومالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، ولا مِن المُحدِّثين كالبُخاريِّ ومُسلِمٍ وغيرِهما، وإنَّما أُحدِثَ هذا الاحتِفالُ البِدعيُّ في أواخِر القرنِ الرابعِ الهِجريِّ، وأوَّلُ مَن أحْدَثه وابتدَعه هم الرافضةُ العُبَيديُّون (الذين يُسمَّوْن زُورًا وتَلبيسًا بالفاطميِّين)؛ ابْتَدعوه مع ما ابْتَدعوه في يَومِ عاشوراءَ- من ضَرْبِ الصُّدورِ، ولطْمِ الخُدودِ، وشَجِّ الرُّؤوسِ وغيرِ ذلك من البِدَعِ؛ إظهارًا للحُزنِ على مَقتْلِ الحُسَينِ بنِ عليٍّ رضِيَ اللهُ عنهما- في عامٍ واحدٍ، وهذه حَقيقةٌ تاريخيَّةٌ لا يُنكِرُها إلا جاهلٌ بالتاريخِ؛ فقدَ سَطَّرها المَقريزيُّ المتوفى عام 845هـ في كِتابه ((الخِطط)) (2/436)، وذكَر أنَّهم أحْدَثوا عددًا من الموالدِ والاحتفالاتِ البِدعيَّة؛ منها: مولِدُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ومولِدُ عليٍّ وفاطمةَ والحَسنِ والحُسَينِ، وغيرُها من الموالدِ، حتى عدَّد سَبعةً وعِشرين احتفالًا لهم، كلُّها انقرضتْ بسُقُوط الدولةِ العُبيديَّة عام 567هـ على يدِ صلاح الدِّين الأَيوبيِّ رحِمَه الله.
ثُمَّ أحيا الصوفيةُ مِن بعدِ ذلِك بِدعةَ الاحتِفالِ بيومِ مولدِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم، وأحيا الرافضةُ بِدعَ يومِ عاشُوراءَ من جَديدٍ، وما زالتْ هذِه البِدعُ مُستمِرَّةً إلى يومِ الناسِ هذا.
ولَمَّا ثقُل على المُغرَمِينَ بالاحتِفالِ بالمولدِ أنْ يكونَ أوَّلَ مَن أحْدَثه رافضيٌّ خبيثٌ، زَعَموا أنَّ أوَّلَ مَن أحْدَثه صاحِبُ إربل المَلِكُ المظفَّرُ أبو سعيد كوكبرى المتوفى عام 630هـ، ونَسَبوا ذلك لابن كَثيرٍ في كتابِه ((البداية والنهاية)) (13/136- 137)، وهذا غيرُ صحيح؛ فنصُّ كلامِ ابنِ كَثيرٍ هو: (وكان يَعمَلُ المولِدَ الشريفَ في ربيعٍ الأوَّل، ويحتفِلُ به احتفالًا هائلًا)؛ فابنُ كَثيرٍ لم يقُلْ: إنَّه أوَّلُ مَن أحْدَثه، وإنَّما قال: إنَّه كان يَحتفِلُ به في رَبيع الأوَّل.
والحقيقةُ التاريخيَّةُ الثانيةُ التي لا تَقبَلُ الشكَّ أيضًا: أنه لم يَثبُتْ أنَّ الثاني عَشرَ من ربيعٍ الأوَّل هو يومُ وِلادةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ، بل الأرجحُ والأصحُّ: أنَّه ليس يومَ مَولدِه، والثابتُ الذي عليه أكثرُ المؤرِّخين أنَّه يومُ وفاتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكان ذلك يومَ الإثنين، ودُفِنَ يومَ الثلاثاء، فِداه أبي وأُمِّي ونفْسي.
ثم انتَشرَ هذا الاحتفالُ في بِقاعِ الأرضِ واستحسنَه بعضُ العُلماءِ والوُعَّاظ؛ لِمَا فيه من ذِكرٍ لسِيرةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وآلِه وسلَّم، ولبَّس الشيطانُ على بعضِهم وأنساهُم مُبتدأَه وخُلوَّ القرونِ الأولى منه؛ فبَدؤوا يَستدلُّون على جوازِه، بل على مَشروعيَّتِه واستحسانِه بأدلَّةٍ مُشرِّقةٍ ومغرِّبةٍ لا عَلاقةَ لها البتَّةَ بهذا الاحتِفال! فانبرَى لهم العُلماءُ ليردُّوا عليهم استِدلالاتِهم، بَلْهَ شُبهاتِهم.
وكما هي عادةُ البِدعِ، لا تقِفُ عند حدٍّ؛ فقد دخلتْ على هذه الموالدِ بِدعٌ مُنكَرةٌ وأعمالٌ قبيحةٌ أخرى كالطَّبلِ والتمايُلِ والرَّقص، واختلاطِ الرِّجالِ بالنِّساءِ في بعض البلدان، وغيرِها من المعَاصي، وإلْقاءِ القَصائدِ الشِّركيَّةِ التي فيها استِغاثةٌ بغيرِ اللهِ تعالى، وإطراءٌ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم كإطراءِ النَّصارَى لعيسى ابنِ مَريمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وفي هذا المقالِ لن أتحدَّث عن تِلكَ المُنكراتِ التي تقَعُ في بعضِ هذه الموالِدِ على تفاوُتٍ بينها، لوضوحِ أمرِها، بل سيكونُ الحديثُ عن شُبهاتِ المُجوِّزِينَ للاحتِفالِ بالموالِدِ والرُّدودِ عليها، ولو فُرِضَ خُلوُّها من المُنكراتِ والمعاصِي؛ فإنَّ تغييرَ ما أنزلَ اللهُ تعالى على نبيِّه مُحمَّدٍ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وإضافةَ شعائرَ وأعمالٍ له، وإدخالَها في الدِّينِ بشُبهاتٍ يَدَّعيها أصحابُها، أخطرُ مِن تِلكُم المنكراتِ.
ومن هذه الشُّبهات:
الشُّبهة الأُولى:
استِشهادُهم بقولِه تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس: 58]، حيثُ زَعَموا أنَّ أعظمَ فرَحٍ هو الفَرَحُ بمولدِه صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّ الاحتِفالَ به تعبيرٌ عن هذا الفَرَحِ، وهذا قولٌ لم يقُلْه أحدٌ من أئمَّة الإسلامِ، وما أعظمَ فَضلَ اللهِ علينا ونِعمَه! فمولِدُه نِعمةٌ، ومَبعَثُه نِعمةٌ، وهِجرتُه نِعمةٌ؛ أوَ كُلَّما تفضَّل اللهُ وأنعَمَ علينا نِعمةً جَعَلْنا ذلك اليومَ احتفالًا؟!
ثم إنَّ فَضْلَ اللهِ ورَحْمتَه المأمورَ بالفرَحِ بهما في هذِه الآيةِ ليس هو يومَ وِلادتِه، وإنَّما هو القُرآنُ وما نزَلَ به مِن شرائِعِ الإسلامِ، كما في الآية التي قَبْلَها: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 57- 58]، والرَّحمةُ هي البعثَةُ والرِّسالةُ كما قال اللهُ تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: « إنِّي لم أُبعَثْ لعَّانًا، وإنما بُعثتُ رحمةً » رواه مسلم. ولم يَذكُرْ أيُّ مُفسِّرٍ للقُرآنِ الكريمِ هذا المعنى الذي ذَكَرُوه.
ثمَّ كيفَ غاب هذا المعنى الغريبُ عن صاحبِ الرِّسالةِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ كونُ الآيةِ نزلتْ في مولدِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثم هو صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يَحتفِلُ بميلادِه، ولا يُبلِّغُنا بهذا المعنى؟!.
وأعجبُ مِن استشهادِهم بهذه الآيةِ: استشهادُهم بقولِه تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157]، حيث زَعَموا أنَّ الاحتِفالَ بالمولدِ هو مِن إكرامِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وتَبجيلِه وتَعظيمِ شأنِه، وقد أثْنَى اللهُ سُبحانَه في هذِه الآيةِ على مَن يَفعلُ ذلك! وهذا كلُّه من الجَهلِ والتَّلبيسِ على العامَّة؛ فليسَ في الآيةِ ما يدلُّ على أنَّ الاحتِفالَ بمولدِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ تعزيرٌ وتوقيرٌ له، وهذا هو محلُّ النِّزاع. وليس كلُّ شيءٍ ظنَّ صاحبُه أنه تعزيرٌ وتوقيرٌ له صلَّى الله عليه وسلَّم يجوزُ فِعلُه لمجرَّدِ ظنِّه؛ فلا يجوزُ توقيرُه بآلاتِ العَزْفِ كالطَّبلِ وغيرِه، ولا بإطراءٍ كإطراءِ النصارَى لعيسى ابنِ مَريمَ عليه الصَّلاةُ والسلامُ، وقد نهَى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أُمَّتَه عن ذلك؛ فالاحتفالُ بالمولدِ مِن هذا البابِ.
الشُّبهةُ الثانيةُ:
استِدلالُهم بالحَديثِ الذي أخرَجَه مُسلِمٌ عن أبي قَتادَة الأنصاريِّ رضِي اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (سُئلَ عن صَومِ الإثنَينِ؟ قال: ذاك يومٌ وُلدتُ فيه)، حيثُ زَعَموا أنَّ هذا احتفالٌ منه بيومِ وِلادتِه! وهذا تَفسيرٌ للحديثِ لم يقُلْ به أحدٌ من العُلماءِ وشُرَّاحِ الحديثِ الأوائِل؛ فالإمامُ النوويُّ- وهو أشهرُ مَن شرَح أحاديثَ صحيحِ مُسلِمٍ- لم يستدلَّ بهذا الحديثِ على الاحتِفالِ بمولِدِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فشُكرُ اللهِ على وِلادةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إنَّما يكونُ بصِيامِ اليومِ الذي وُلِدَ فيه وهو يومُ الإثنينِ مِن كلِّ أسبوعٍ، كما فَعَل ذلك النبيُّ صلَّى الله عليه وآلِه وسلَّمَ وجعَلَه سُنَّةً لأُمَّتِه باقِيَةً إلى يومِ الِقيامَةِ، وهذا ما يَقتَضِيه المعقولُ والمنقولُ، وهو أنْ يكونَ الشكرُ من نوْعِ ما شَكَرَ الرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم به ربَّه، وليس بالاحتِفالِ والنَّشيد، والقَصائِد والمَديح، ممَّا لم يَفعلْه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا أمَرَ به، ولا فَعَله أحدٌ مِن الصَّحابةِ ولا التابِعين وتابعِيهم، والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هو أحرصُ النَّاسِ على شُكرِ ربِّه؛ وأعْلمُهم بكيفيَّةِ ذلِك؛ وهذا الشُّكر كشُكرِ اللهِ على نَجاةِ نبيِّ اللهِ موسى عليه الصَّلاةُ والسلامُ بصِيامِ يومِ عاشوراءَ، وهو اليومُ الذي نَجَّاه اللهُ فيه مِن فِرعونَ، كما فعَل ذلك النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم، وجعَلَه سُنَّةً لأمَّتِه إلى يومِ القِيامَةِ.
الشُّبهةُ الثالثةُ:
استدلالُهم بالحديثِ الذي رواه أحمدُ وأبو دَاودَ والنَّسائيُّ وغيرُهم، عن أَوْسِ بنِ أَوسٍ رضِي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: (مِن أفْضلِ أيَّامِكم يومُ الجُمُعة؛ فيه خُلِقَ آدَمُ، وفيه قُبِضَ، وفيه النَّفخةُ وفيه الصَّعقةُ؛ فأكثِروا عليَّ من الصَّلاةِ فيه؛ فإنَّ صَلاتَكُم مَعروضةٌ عليَّ… الحديثَ)، حيثُ قالوا: إذا كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قدْ شرَعَ لنا الصَّلاةَ عليه يومَ أنْ خَلَق اللهُ نبيَّه آدَمَ عليه السَّلامُ؛ فالصلاةُ على نبيِّنا محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم يومَ وِلادتِه أَوْلَى وأحْرَى، وزَعَموا أنَّ الاحتِفالَ بالمولِدِ ما هو إلَّا اجتِماعٌ للصَّلاةِ عليه. وهذا منهم استِدراكٌ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولا يقولُ هذا مَن وقَر حُبُّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في قَلبِه، ولو زعَم ذلك، ولو كان هذا الاستدلالُ صحيحًا لرَأيْنا تسابُقَ الصحابةِ فمَن بعدَهم في تَخصيصِ يومَ الإثنينِ بالصَّلاةِ عليه، غير أنَّ الواقِعَ أنَّهم لم يَخصُّوا ذلك اليومَ بصَلاةٍ، فضلًا عن الاحتِفالِ والاجتماعِ فيه؛ ممَّا يدلُّ قطعًا على أنَّ الاستدلالَ به في غيرِ محلِّه، بلْ ولم يقُلْ أحدٌ مِن العُلماءِ بفَضلِ الصَّلاةِ على النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يومَ ولادتِه حقًّا، وهو يومُ الإثنينِ، فضلًا عن أنْ يكونَ ذلك يومَ الثاني عَشرَ مِن ربيع الأوَّل، وهو لم يَثبُتْ، وحتَّى ما ورَد في فَضلِ يومِ الجُمُعة فهو أولًا ليس فقط لخلْقِ آدَمَ فيه، بل كما هو نصُّ الحديثِ؛ لأنَّ فيه النفخةَ والصَّعقةَ، وفي رواية مسلمٍ: (أنَّ فيه أُدْخِلَ آدمُ الجنَّةَ، وفيه أُخرِجَ منها، وفيه تقومُ الساعةُ)، وثانيًا: ليس فيه الاحتِفالُ والاجتماعُ للصَّلاةِ عليه، وذِكرِ سِيرتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الشُّبهةُ الرَّابعةُ:
ومِن الشُّبهِ العجيبةِ التي يَذكُرونها: أنَّهم يَستدِلُّون بنُصوصِ الأمرِ بالصَّلاةِ والسَّلامِ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأحاديثِ مدْحِ النبيِّ نفْسَه، ومدْحِ الصحابةِ رضِيَ اللهُ عنهم له بحَضرتِه، فيقولون: المولِدُ ليس فيه إلَّا صلاةٌ وسلامٌ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومدحٌ له؛ فلماذا تُنكِرونَ علينا ذلِك؟! ورغْمَ أنَّ هذا غيرُ صحيحٍ وفيه مُغالطةٌ؛ فالمولِدُ فيه أفعالٌ كثيرةٌ أخرى مُحرَّمَةٌ كما سبَق الإشارةُ إليه، إلَّا أنَّ المُغالطةَ الكُبرى هي أنَّ هذا ليس هو مَحَلَّ النِّزاعِ أصلًا؛ فإنَّ مُنكِري المولِدِ لا يُنكِرونَ الصلاةَ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا مَدْحَه، بل هم يُصلُّون عليه دائمًا وأبدًا، وبخاصَّةٍ يومَ الجُمُعة، لكنْ إنكارُهم هو على الاجتِماعِ لذلك في يومٍ أو أيامٍ مَخصوصةٍ؛ لأنَّه لم يَرِدْ في السُّنَّةِ مطلقًا ولا مرَّةً واحدةً أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم اجتمَعَ مع أصحابِه رضِيَ اللهُ عنهم، أو اجتمَع أصحابُه مع بعضِهم في أيِّ مُناسَبةٍ مِن أجلِ الصلاةِ عليه أو مَدْحِه، فضلًا عن أنْ يكونَ ذلك في ليلةٍ مَخصوصةٍ.
الشُّبهةُ الخامِسةُ:
استِشهادُهم بالحديثِ الذي رواه التِّرمذيُّ وغيرُه عن بُريدةَ رضِيَ اللهُ عنه، وفيه: أنَّ جاريةً نذَرتْ أن تَضرِبَ بالدُّفِّ وتَتغنَّى بَينَ يَدَيِ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إنْ رَدَّه اللهُ سالِمًا من إحْدَى غَزواتِه، وأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال لها: (إنْ كُنتِ نَذرْتِ فاضْرِبي وإلَّا فَلا…) الحديثَ، وقالوا: هذا احتفالٌ وإعلانٌ للفرَحِ بقُدومِه صلَّى الله عليه وسلَّم من الغزوِ، وقد أَقرَّها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، والفرحُ بقُدومِه إلى الدُّنيا أعظمُ. فيا سُبحانَ اللهِ! ما أعظمَ كيدَ إبليسَ لهذه الأمَّةِ وتَلبيسَه عليها! يَستشهِدون بحادثةٍ واحدةٍ لم تَتكرَّرْ طِيلةَ حياةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وآلِه وسلَّمَ ويَغفُلون عن ترْكِه وترْكِ صَحابتِه مِن بَعدِه للاحتفالِ بيومِ وِلادتِه مع تَكرارِه وعَودتِه مَرَّاتٍ كَثيرةً، ثم أهُمْ أعلمُ بفَضلِ قُدومِه إلى الدُّنيا على نجاتِه في الغزوةِ أم هذِه الصحابيةُ؟! لِمَ لَمْ تَنْذِرْ أن تَحتفِلَ وتفرَحَ بيومِ قُدومِه للدُّنيا بدلَ أن تَفرَحَ بيومِ نجاتِه وعودتِه من الغَزو؟! ثُمَّ إنَّ هذا ليس احتفالًا منها جمَعتْ له الناس، بل هو وفاءٌ لنذرٍ نَذَرتْه على نفْسِها فأوفَتْ بنذرِها، ولو كان احتِفالًا كاحتفِالِ المولِد لأعادَتْه كلَّ عامٍ كما يَفعَلُ أصحابُ الموالدِ.
الشُّبهةُ السَّادسةُ:
أنَّهم يَستدِلُّون على جوازِ الاحتفالِ بيومِ مولدِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم بما رواه البيهقيُّ في سُننه، عن أنسٍ رضِيَ الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عقَّ عن نفْسِه بعدَ النُّبوَّة، ويقولون: هذا رسولُ الله قد عقَّ عن نفْسِه فرَحًا بمولدِه، مع أنَّ أبا طالبٍ قد عقَّ عنه يومَ وِلادتِه، وفي ذلك دَليلٌ على جوازِ تَكرارِ الفرحِ مَرَّةً بعدَ مرَّةٍ.
وهذا الحديثُ كما ذَكر البيهقيُّ نفْسُه عَقِبَه: (حديثٌ مُنكَر)، وقال النوويُّ في ((المجموع)) (8/431): (باطلٌ). وقال ابنُ حَجرٍ العسقلانيُّ في ((الفتح)) (9/509): (لا يَثبُت)؛ فسَقطَ الاحتجاجُ به أصلًا، على أنَّه لو ثبَتَ لم يكُن فيه دليلٌ أيضًا لهم؛ لاختِلافِ ما بين هذا الفِعلِ وما بَينَ الاحتِفالِ بالمولِدِ كلَّ عامٍ؛ فهو قياسٌ مع الفارِقِ.
وأعجَبُ من ذلك: استدلالُهم بعِتقِ أبي لَهَبٍ لمولاتِه ثُوَيبةَ الأَسلميَّةِ لَمَّا بشَّرتْه بمولدِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّه يُخفَّفُ عنه العذابُ بذلك، وقالوا: فإذا كان هذا في حقِّ الذي جاء القرآنُ بذَمِّه؛ يُخفَّفُ عنه العذابُ لفَرحِه بمولدِ المصطفَى؛ فما بالُك بمَن يَفرَحُ به صلَّى الله عليه وسلَّم وهو مُؤمِنٌ مُوحِّد؟!
وما أقبحَ أن يُستشهَدَ بفِعلِ كافرٍ في الجاهليَّةِ فرِحَ بمولدِ ابنِ أخٍ له في زَمنٍ كانوا يَفرَحون بالذَّكرِ ويَدفِنون الأُنثى خشيةَ العارِ! وهل فرِحَ به لأنَّه نبيُّ الله؟! وهل كان يَعلمُ أن سيُبعَثُ فيهم؟! وأنَّه سيَنزِلُ فيه قولُه تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1]؟!
ويُقالُ فيه ما قِيل فيما قَبْلَه: ليس النِّزاعُ في فَضلِ الفَرَحِ به صلَّى الله عليه وسلَّم وحبِّه وتوقيرِه، ولكنَّ النِّزاعَ في مشروعيَّةِ ما تَزعُمونَه حبًّا، وتُخالفون فيه هَدْيَه صلَّى الله عليه وسلَّم.
وأسوأُ من ذلك ما نقَله السَّخَاويُّ في ((الأجْوبة المَرْضِيَّة)) (3/ 1117) عن أحدِهم قائلًا: (إذا كان أهلُ الصَّليب اتَّخَذوا ليلةَ مَولِد نبيِّهم عيدًا أكبَر، فأهْلُ الإسْلامِ أَوْلَى بالتَّكريم وأجْدر)، ولا أجدُ في الرَّدِّ على هذا القَوْل أبلغَ ممَّا رواهُ البُخاريُّ ومُسلِمٌ في صحيحَيهما من حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضِيَ اللهُ عنه، عن رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: (لتتَّبعُنُّ سَننَ الَّذين من قبلِكم شِبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ، حتَّى لو دَخلوا في جُحرِ ضبٍّ لاتَّبعتموهم! قُلنا: يا رسولَ اللهِ، اليهودُ والنَّصارَى؟ قال: فمَن؟!).
الشُّبهةُ السَّابعةُ:
لَمَّا ثبَت لهم أنَّ الاحتِفالَ بالمولِدِ بِدعةٌ لم يَفعَلْها رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا صحابتُه الكِرامُ رضِيَ اللهُ عنهم، وأكَّد على ذلك عددٌ من العُلماء، منهم الحافظُ ابنُ حجرٍ بقولِه: (أصلُ عمَلِ المولدِ بِدعةٌ لم تُنقَلْ عن أحدٍ مِن السَّلفِ الصالِح من القُرونِ الثلاثةِ)، كما نقلَه عنه السُّيوطيُّ في ((الحاوي للفتاوي)) (1/ 229)؛ قالوا: نعَمْ! هو بِدعةٌ لكنَّه بِدعةٌ حسَنة، وابنُ حجرٍ نفْسُه ذَكَر ذلك وغيرُه من العُلماء.
والصوابُ الذي عليه المحقِّقون من العُلماءِ: أنَّه لا يُوجَدُ في الإسلامِ بِدعةٌ حَسَنةٌ وبِدعةٌ ضلالةٌ، بلْ كلُّ بِدعةٍ ضلالةٌ، كما هو صريحُ الحديثِ الصَّحيحِ عن رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم.
وكلامُ العُلماءِ في إنكارِ تَقسيمِ البِدعةِ إلى حَسنةٍ وسيِّئةٍ كثيرٌ، ويطولُ ولا يتَّسعُ المقامُ لذِكره، لكن أَكتفي بنَقلَينِ اثنينِ فقط لعالِمينِ مَشهودٍ لهما بالفِقهِ والتأصيل.
الأوَّل: الإمامُ أبو عُبَيدٍ القاسمُ بنُ سلَّام، وهو مِن أعيانِ القرنِ الثالثِ، وقد تُوفِّي عام 224هـ؛ نقَل عنه ابنُ بَطَّالٍ في شرْحه للبُخاريِّ (8/588) قولَه: (البِدعُ والأهواءُ كلُّها نوعٌ واحدٌ في الضلال).
والثاني: أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ موسى الشاطبيُّ، العالِمُ الأُصوليُّ المالكيُّ؛ قال في ((فتاويه)) (ص180): (إنَّ قولَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (كلُّ بِدعةٍ ضلالةٌ) مَحمولٌ عند العُلماءِ على عُمومِه، لا يُستثنَى منه شيءٌ البتَّةَ، وليس فيها ما هو حَسَنٌ أصلًا). وقال في كتابه ((الاعتصام)) (1/246): (هذا التقسيمُ أمرٌ مُخترَعٌ، لا يدلُّ عليه دليلٌ شرعيٌّ).
وممَّا يُؤيِّد كلامَهما ما قالَه إمامُ دارِ الهجرة مالكُ بنُ أنسٍ، في قاعدتِه العظيمة: (مَن ابتدَعَ في الإسلامِ بِدعةً يراها حسَنةً، فقد زعَم أنَّ محمدًا خان الرِّسالةَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقولُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}؛ فما لم يكُن يومئذٍ دِينًا، فلا يكونُ اليومَ دِينًا) ((الإحكام في أصول الأحكام)) لابن حزم (6/ 58)، و((الاعتصام)) للشاطبي (1/62).
ومَن بَعدِه تلميذُه الإمامُ الشافعيُّ؛ فقَد نقَل عنْه الجوينيُّ في ((نهاية المطلب في دراية المذهب)) (18/ 473)، والغزاليُّ في ((المستصفى)) (1/171) قوله: (مَن اسْتَحسَن فقد شَرَعَ)، ولا يُتصَوَّر ممَّن يرَى أنَّ الاستحسانَ تَشريعٌ لم يَأذَنْ به اللهُ، أنْ يقولَ بتَحسينِ بعضِ البِدعِ.
وشَبيهٌ بذلك: استشهادُهم بالحديثِ الذي رواه مسلمٌ عن جَريرٍ رضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حسنَةً فعَمِلَ بها مَن بَعدَه، كان له أجْرُها ومِثلُ أجْرِ مَن عمِلَ بها مِن غيرِ أن يَنتقِصَ مِن أجورِهم شيءٌ)، فقالوا: الاحتفالُ بالمولِد سُنَّةٌ حسَنةٌ.
وهذا منهم تَحريفٌ للحديثِ عن معناه الصَّحيحِ، وجَهلٌ أو تجاهُلٌ لسببِ وُرودِه، وهو (أنَّ قومًا أتَوُا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم من الأعرابِ مُجتابِي النِّمَارِ (أي: لابِسي الصُّوفِ المُخرَّقِ مِن فَقرِهم)، فحَثَّ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم الناسَ على الصَّدقةِ، فأبْطَؤوا حتى رُئِي ذلك في وجْهِه، فجاء رجُلٌ من الأنصارِ بقِطعةِ تِبْرٍ فطرَحَها، فتتابَع الناسُ حتَّى عُرِفَ ذلك في وجْهِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: مَن سَنَّ سُنَّةً حسَنةً…)؛ فالمقصودُ بالحديثِ: مَن أحْيا سُنَّةً مِن سُننِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم، كما عندَ ابنِ ماجهْ وغيرِه من حَديثِ عَمرِو بنِ عَوفٍ المُزَنيِّ رضِيَ الله عنه مرفوعًا: (مَن أحيا سُنَّةً مِن سُنَّتي قد أُميتتْ بَعدي كان له من الأجرِ مِثلُ مَن عمِلَ بها من غيرِ أنْ يَنقُصَ من أجورِهم شيئًا، ومَن ابتَدعَ بِدعةً لا يَرضاها اللهُ ورسولُه، فإنَّ عليه مِثلَ إثمِ مَن عمِلَ بها من الناسِ، لا يَنقُصُ مِن آثامِ الناسِ شيئًا)، علَّق الشاطبيُّ بقولِه: (فدلَّ على أنَّ السُّنَّةَ هاهنا مِثلُ ما فعَل ذلك الصحابيُّ، وهو العملُ بما ثبَت كونُه سُنَّةً- يعني الصَّدقةَ) وليس المولدَ!
وإنَّ الذي قال: ((مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حسَنةً …)) هو القائلُ: ((عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ الراشدينَ المهديِّينَ مِن بَعدي، تمسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجِذ، وإيَّاكم ومُحْدَثاتِ الأمورِ؛ فإنَّ كلَّ مُحْدَثةٍ بِدعةٌ، وكلَّ بِدعةٍ ضَلالةٌ)) وهو القائِل: ((مَن أحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ)) وكلُّها أحادِيثُ صحِيحة والأخْذُ بها جميعًا والتوفِيقُ بينها هو المتعيِّن.
الشُّبهةُ الثامِنةُ:
زعْمُهم أنَّ بعضَ الصحابةِ ابتدَع بِدعًا حسنةً، ويَستشهِدون بما جاءَ في صحيح البخاريِّ عن رِفاعةَ بنِ رافعٍ الزُّرَقيِّ، قال: كنَّا يومًا نُصلِّي وراءَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا رفَع رأسَه من الرَّكعةِ، قال: سمِعَ اللهُ لِمَن حمِدَه، قال رجلٌ وراءَه: ربَّنا ولكَ الحَمدُ، حمْدًا كثيرًا طيِّبًا مُبارَكًا فيه، فلمَّا انصرَف، قال: مَنِ المتكلِّمُ؟ قال: أنا، قال: رأيتُ بِضعَةً وثلاثينَ مَلَكًا يَبتَدِرونها؛ أيُّهم يَكتبُها أوَّلُ!)؛ قالوا: هذا الصحابيُّ ابتدَعَ هذا الذِّكرَ ولم يَسمَعْه من النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ، وهذه بِدعةٌ حسَنةٌ.
وهذا فهمٌ خاطئٌ؛ فالصَّحابةُ رضِيَ اللهُ عنهم لهم مَزيَّةٌ ليستْ لغيرِهم، وهي كونُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم بين ظَهرانَيْهِم يُصحِّحُ أفعالَهم؛ فما فعَلَه الصحابيُّ وأقرَّه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عليه فإنَّه يَصيرُ من السُّننِ التقريريَّة وليس مِن البِدعِ، كما قرَّر ذلك عُلماءُ الأُصول، وكلُّ ما يَروُونه ممَّا فعَلَه الصحابةُ وأقرَّهم عليه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فهو مِن هذا القَبيلِ.
ومن ذلك: استِدلالُهم بجَمْعِ عُمرَ رضِيَ اللهُ عنه الصَّحابةَ لصلاةِ التراويحِ خلْفَ إمامٍ واحدٍ بعدَ وفاةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وآلِه وسلَّم؛ قالوا: وهذه منه بِدعةٌ حسَنةٌ.
والمتأمِّل لحادثةِ عُمرَ رضِيَ الله عنه هذِه يجِدُ أنَّ الاستشهادَ بها أضعفُ مِن سابقتِها؛ لأنَّ هذا الفِعلَ قد فعلَه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم نفْسُه، حيثُ صلَّى بالصحابةِ صلاةَ التراويحِ جماعةً، وكان هو إمامَهم كما ثبَت ذلك عند الشَّيخَينِ البُخاريِّ ومُسلمٍ مِن حديثِ عائشةَ رضِي اللهُ عنها، ثمَّ لم يَخرُجْ إليهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعدَ ذلِك خَشيةَ أنْ تُفرَضَ عليهم تلك الصَّلاةُ؛ فانقطعتْ هذه الصلاةُ في عهدِ أبي بَكرٍ وأعادَها عُمرُ رضِيَ اللهُ عنه بعدَما زالتِ العِلَّةُ، وهي خوفُ الفَرْضيَّة؛ فكيف يُقال: إنَّ عُمرَ ابتدَعَ صلاةً جديدةً لم تكُن في زمنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وآلِه وسلَّم؟! وأين هذا من إحداثِ الاحتِفالِ بالمولِد؟!
وممَّا يَلحَقُ بهذه الشُّبهةِ: استشهادُهم بأعمالٍ فعَلَها الصحابةُ رضِيَ الله عنهم بعدَ مماتِه صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّمَ، مِثل كِتابةِ القُرآنِ وجمْعِه، ونَقْطِ المصحفِ وضَبْطِه بالشَّكلِ، وقالوا: هذه كلُّها بِدَعٌ حسَنةٌ، والمولِدُ من جِنسِ هذه الأعمالِ.
وقائلُ مِثل هذا الكلامِ إمَّا جاهلٌ بعِلمِ الأُصولِ، أو مُلبِّسٌ على العامَّةِ؛ فالبِدعُ المذمومةُ هي ما لم يَفعَلْه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع وجودِ المُقتضِي الدَّاعي إليه وعدمِ وجودِ ما يَمنَعُ مِن فِعله؛ فما الذي كان يمنعُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم من إقامةِ المولِد؟! وإذا كان مقتضاه حُبَّ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم؛ فهذا كان موجودًا عند الصحابةِ؛ فلماذا لم يَفعلُوه؟ والجواب: لأنَّه ليس مَشروعًا.
أمَّا كِتابةُ القُرآنِ وجمْعُه فهو مِن بابِ حِفظِه مِن الضَّياعِ، وهذا المُقتضِي لم يكُن موجودًا في حياةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فالوحيُ كان يَتنزَّلُ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى قُبَيلِ وفاتِه بأبي هو وأُمِّي ونفْسِي، وجُلُّ الصحابةِ رضِيَ اللهُ عنهم كانوا في المدينةِ، فلمَّا تُوفِّي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وانقطَعَ الوحيُ بعدَما اكتَمَل، وتوسَّعتْ رُقعةُ الإسلامِ وانتَشرَ الصحابةُ ومَن جاء بَعدَهم في أنحاءِ المعمورةِ، واختَلَف بعضُ الناسِ في آياتٍ مِن القُرآنِ، اقتَضَى الأمرُ جَمْعَه وكِتابتَه في مُصحَفٍ واحدٍ، فجَمعوه من الصُّدورِ ومِن الألْواحِ المُفرَّقةِ في مُصحَفٍ واحدٍ ونَسخوا مِنه نُسخًا وزَّعوها على الأمصارِ، وأحْرَقوا ما سِوى ذلك، ولَمَّا بعُدَ الناسُ عن العربيةِ ودَخلتْهم العُجمةُ؛ بسببِ دُخولِ عددٍ كبيرٍ من العَجمِ في الإسلامِ، احتاجوا لنَقْطِه؛ ليُقرأَ قِراءةً صحيحةً، أمَّا في زمنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يكُن مَجموعًا ولا مَكتوبًا بهذه الصُّورةِ، وهذا يُسمِّيه عُلماءُ الأصولِ المصالِحَ المُرسَلةَ، وشَرحُها يطولُ، وليس هذا مَقامَه.
والتقرُّبُ إلى اللهِ تعالى بالمُحْدَثاتِ، والتعبُّدُ له بالبِدعِ-كما هو الحالُ في الاحتِفالِ بالمولِدِ-، ليس من بابِ المصالِحِ المُرْسلَةِ؛ ففي بابِ العِباداتِ لا يُحْتجُّ بالمصالِح المرسلَةِ؛ لأنَّ العِباداتِ توقيفيَّةٌ، لا مجالَ فيها للرأي والاجتِهادِ والعَملِ بمُسْتَحسَناتِ الناس، ولأنَّ العِباداتِ حَقٌّ محضٌ للهِ تعالى، ولا يُمكِنُ معرفةُ حقِّه تعالى كَمًّا وكَيْفًا، وزَمانًا ومَكانًا إلَّا من جِهتِه سُبحانَه.
الشُّبهةُ التاسعةُ:
قولُهم: إنَّ الاحْتِفالَ بالمولدِ عادةٌ وليس عِبادةً؛ فلماذا تُنكرون علينا العاداتِ؟!
وهذه مُغالَطةٌ منهم وهُروبٌ من الواقِع والحَقيقةِ، وإلَّا فكيف يُقال لاجتِماعٍ فيه قِراءةٌ للقرآنِ، وذِكرٌ لله، ودُعاءٌ، وتذكيرٌ بسِيرةِ المصطفى صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم وشمائلِه؛ يَتقرَّبون به إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، ويَدْعُون الناسَ إليه، ويَحثُّونهم عليه؛ ويَعدُّونه مِن أجَلِّ أعمالِهم التي يَرجُون بها الأجرَ والثوابَ؛ كيف يقولون عن مِثل هذا: إنَّه عادةٌ وليس عِبادةً؟! فما هي العبادةُ إذنْ؟!
ولو سُئل المحتفِلُ بمولدِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لماذا تَحتفِلُ؟ سيقولُ: لأنِّي أُحبُّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم. فلو قِيل له: هل الاحتِفالُ بمولِدِه صلَّى الله عليه وسلَّم طاعةٌ أو معصيةٌ؟ قطعًا لن يقولَ: هو معصيةٌ؛ إذْ كيف يَحتفِلُ بمعصيةٍ؟! سيقول: إنَّها طاعةٌ وقُرْبةٌ، فيُقال له: هل عَلِم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هذه الطاعةَ أم جَهِلها؟ فقطعًا لن يقولَ: جَهِلها؛ فإنْ قال: عَلِمَها، سألْناه: هل بلَّغَها لأُمَّتِه أو كتَمَها؟ وهنا لا يُمكِن أن يقول: كَتَمها، فإنْ قال: بلَّغَها. قُلنا له: هاتِ الحديثَ الذي حثَّنا فيه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على الاحتِفالِ بمولدِه ، وسنكونُ نحنُ أوَّلَ المحتفِلين به؛ لأنَّنا نُحبُّه وحَريصونَ أشدَّ الحِرْصِ على اتِّباعِ سُنَّته صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وهيهاتَ هيهاتَ أنْ يأتِيَ بحديثٍ واحدٍ صحيحٍ أو ضَعِيفٍ فيه الحثُّ على ذلك، أو حتَّى فِعلُه أو تَقريرُه!
الشُّبهةُ العاشرةُ:
ومِن شُبهاتِهم في تجويزِ الاحتِفالِ بالمولِد: تَشبيهُهم المَولِد بإقامةِ المؤتَمَراتِ؛ تكريمًا لعالِم، وإبرازًا لجُهودِه، وذِكرًا لسِيرتِه ومآثرِه، وقولهم: إنَّ اجتماعَنا لتذكُّرِ سِيرةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وفَضلِه على الأُمَّةِ أَوْلَى من ذلك.
والردُّ على هذه الشُّبهةِ مِن وَجهينِ:
الأوَّل: أنَّ عقْدَ ندوةٍ أو مُؤتَمرٍ للتعريفِ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وآلِه وسلَّم وسِيرتِه والدِّفاعِ عنه أَوْلَى بلا شكٍّ مِن غيرِه، لكنَّ عقْدَ ندوةٍ أو مؤتمرٍ مرَّةً أو أكثرَ، وفي بلدٍ واحدٍ، أو أكثرَ لا يُقاسُ عليه المولدُ بحالٍ من الأحوالِ؛ فالمؤتمرُ أو الندوةُ ليس احتِفالًا وفرحًا وطربًا بقُدومِه، بل هو تعريفٌ وتعليمٌ ودعوةٌ لِمَن يَجهَلُ سِيرته ودَعوتَه مِن المسلِمين وغيرِهم.
الثاني: هذه المُؤتَمراتُ ليس لها أوقاتٌ مُحدَّدة، ولا يصحُّ أن تُعقدَ في اليومِ الذي وُلِد فيه العالِمُ؛ فهي ليستْ أعيادَ مِيلادٍ له؛ فقد يكونُ هذا العالِمُ وُلِد في رجب والمؤتمرُ يُقامُ في مُحرَّم؛ فهو ليس مُرتبِطًا بمولدِه، بل بما يُناسِبُ الحُضورَ والمشاركِينَ والقائِمينَ على المؤتمر.
فإنْ قالوا: وكذلك المولدُ يُقامُ طِيلةَ العامِ وليس في يَومٍ مُحدَّد. قلنا: هذه مُغالَطةٌ؛ بل أجمَع القائِمون على هذه الموالدِ على القِيامِ بها في اليومِ الثاني عَشرَ من ربيعٍ الأوَّل وإنْ كانوا يُقيمونَه في أيَّامٍ مُتفرِّقةٍ طِيلةَ العامِ؛ إمعانًا في تَكرارِ البِدعةِ.
وقد ذَكَر الإمامُ جمالُ الدِّينِ السُّرَّمَرِّيُّ حُكمَ الاحتِفالِ بالمولِدِ النبويِّ، فقال- بعدَ حِكايتِه للخِلافِ في أيِّ شهرٍ وُلِدَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وفي أيِّ يَومٍ مِن شَهرِ المولدِ-:
(وفي هذا الخِلافِ ما يَدلُّ على أنَّ السَّلفَ لم يكونوا يَجعلون ذلك مَوسِمًا للاجتِماعِ والولائمِ والاحتِفالِ في صُنعِ الأطعمةِ والأشربةِ والسَّماعاتِ؛ إذ السَّلفُ كانوا أعظمَ الناسِ تَوقيرًا ومحبَّةً وتَعظيمًا للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأحرصَ الخَلقِ على نَشْرِ مَحاسنِه؛ فلو كان يومُ مولدِه عِندَهم موسِمًا لتوفَّرتْ هِمَمُهم على حِفظِه، ولم يَكُنْ عِندَهم ولا عِندَ غَيرِهم فيه خِلافٌ، ولاتَّفَقوا عليه كما اتَّفَقوا على يَوميِ العِيدينِ وأيَّامِ التشريقِ، ويومِ عَرفةَ ويومِ عاشوراءَ، … فلو كان المولدُ مِثلَها لحُفِظَ كما حُفِظتْ.
ولكنَّ الاجتِماعَ على قِراءةِ القُرآنِ ونَشْرِ مُعجزاتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وذِكرِ أخلاقِه وآدابِه، والتعريفِ لحقوقِه، وامتثالِ أوامرِه والوقوفِ لزواجرِه، وتَعليمِ سُنَنِه؛ مُستحَبٌّ في كلِّ وقتٍ، بل واجبٌ) [((المولد الكبير للبشير النذير صلى الله عليه وسلم)) ورقة (10 ب)- بواسطة: ((منْهجُ الإمَامِ جمالِ الدِّينِ السُّرَّمَرِّيِّ في تقرير العقِيدة)) لخالِد المطلق (72 – 73)].
الشُّبهةُ الحاديةَ عَشْرةَ:
زَعْمُهم أنَّ الاجتماعَ لتذكيرِ الناسِ بسِيرةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّمَ يومَ وِلادتِه كالتذكيرِ في خُطبِ الجُمُعة بيومِ البَعثةِ والهِجرةِ، وكالتذكيرِ في السابِعَ عَشرَ مِن رمضانَ بغزوةِ بدرٍ، وغيرِ ذلك مِن أحداثِ السِّيرة النبويَّة؛ فلِمَ تُحرِّمون هذا وتُبيحون ذاك؟!
وهذه مُغالَطةٌ أخرى أيضًا؛ فالذين يُجيزون تَذكيرَ الناسِ بالهِجرةِ والبَعثةِ وبالغزواتِ على مِنبَرِ الجُمُعةِ يُجيزون تَذكيرَهم بوِلادتِه وبوفاتِه، فتَجِدُهم يَخطُبون بهذا وبهذا، ولا يُنكِرون شيئًا من ذلك، وليس هذا مَحَلَّ النِّزاعِ والخلافِ؛ فمَحلُّ الخِلافِ هو الاجتماعُ مِن أجلِ ذلك، والتَّداعي إليه، وتَكرارُه في أوقاتٍ مُحدَّدةٍ، والاحتفالُ به؛ لذلك فهُم أيضًا لا يُجيزون أنْ يجتمِعَ الناسُ في يَومِ البَعثةِ أو الهِجرةِ أو الغزوةِ كلَّ عامٍ ويُقيمون الولائمَ والقَصائدَ والمدائحَ والذِّكرَ مِن أجلِها، ولا يُخصِّصون ذلك اليومَ بشَيءٍ، ومعلومٌ أنَّه لنْ يُصادفَ يومُ السابِعَ عَشرَ من رَمضانَ في كلِّ عامٍ يومَ جُمُعةٍ؛ حتى يُخطُبَ عن هذه المناسبةِ قَصدًا.
ونقول أيضًا: لقد وقعَتْ ثلاثةُ أحداثٍ في شَهرِ ربيع الأوَّل؛ المولِدُ (على فَرْض التَّسليمِ بصِحَّتِه)، والهِجرةُ، والوفاةُ. ومع ذلك لم يُحْدِثِ الصحابةُ في هذا الشهرِ أيَّ عِبادةٍ دِينيةٍ مُتكررةٍ تُذَكِّرُهم بهذه الأحداثِ؛ وما ذلك إلَّا لأنَّهم فَهِموا أنَّ كمالَ الاقتِداءِ والمحبَّةِ إنما هو في الاتِّباع، وقد كانوا رضِي اللهُ عنهم أشدَّ الناسِ تعظيمًا للنبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وأَشدَّهم حُبًّا له، ومع هذا التعظيمِ والحُبِّ فإنَّهم رضِي الله عنهم لم يَحتفِلوا بيومِ مَولدِه، ولا جعَلوا يومَ هِجرتِه عِيدًا، ولا صنَعوا مَأتمًا ليومِ وفاتِه صلَّى الله عليه وسلَّم.
الشُّبهةُ الثانيةَ عَشرةَ:
قولُهم: إنَّ أكثرَ العُلماءِ يُجيزون الاحتِفالَ بالمولِد، ولم يُحرِّمْه إلَّا المتشدِّدون مِن أتْباعِ ابنِ تَيميَّة.
وهنا ثَلاثُ نِقاطٍ مُهمَّة للردِّ على هذه الشُّبهةِ:
الأولى: أنَّ العِبرةَ بالحقِّ والدليلِ وليس بالكَثرةِ.
الثانية: سبَق في أوَّلِ المقالِ أنَّ عُلماءَ المسلِمين الأوائِل كالأئمَّةِ الأربعةِ وغيرِهم لم يُنقَلْ عن أحدٍ منهم جوازُه أو فِعلُه؛ فكيف يُقَال: إنَّه قولُ أكثَرِ العُلَماءِ؟
الثالثة: الزَّعمُ بأنَّه لم يُحرِّمه إلَّا أتباعُ ابنِ تيميَّة زعمٌ غيرُ صحيحٍ، وحتَّى لا أُثقِلَ على القارئِ فسأنقُلُ نقولاتٍ لثلاثَةِ عُلماء أفْتَوا بتَحريمِه ليسوا من المدرسةِ التيميَّةِ.
الأوَّل: العلَّامة تاجُ الدِّين الفاكهانيُّ، المالكيُّ؛ قال في رسالته ((المورِد في عمَل المولِد)) (ص20): (لا أعلمُ لهذا المولِدِ أصلًا في كِتابٍ ولا سُنَّةٍ، ولا يُنقَلُ عَمَلُه عن أحدٍ مِن عُلماءِ الأُمَّة، الذين هُم القُدوةُ في الدِّين، المتمسِّكونَ بآثارِ المتقدِّمين، بلْ هو بِدعةٌ أحْدَثها البَطَّالون… وهذا لم يأذنْ فيه الشرعُ، ولا فعَلَه الصحابةُ ولا التابِعون، ولا العُلماءُ المتديِّنون، فيما عَلِمتُ، وهذا جوابي عنه بين يَدَيِ اللهِ إنْ عنه سُئلتُ، ولا جائزٌ أن يكونَ مُباحًا؛ لأنَّ الابتِداعَ في الدِّين ليس مُباحًا بإجماعِ المسلِمين).
الثاني: ابنُ الحاجِّ الفاسِي؛ قال في ((المدخل)) (2/312): (فإنْ خلا- أي: عمَلُ المولِد- منه- أي: مِن السَّماعِ- وعمِلَ طعامًا فقط، ونوَى به المولِدَ، ودعَا إليه الإخوانَ, وسَلِم مِن كلِّ ما تقدَّمَ ذِكرُه- أي: مِن المفاسِد- فهو بِدعةٌ بنَفْسِ نِيَّتِه فقط؛ إذ إنَّ ذلك زِيادةٌ في الدِّين ليس من عمَلِ السَّلفِ الماضين، واتِّباعُ السَّلفِ أَوْلَى، بل أوْجَبُ، مِن أن يَزيدَ نِيَّةً مُخالِفةً لِما كانوا عليه؛ لأنَّهم أشدُّ الناس اتِّباعًا لسُنَّة رَسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وتَعظيمًا له ولسُنَّتِه صلَّى الله عليه وسلَّم، ولهُم قدَمُ السَّبقِ في المبادَرةِ إلى ذلك، ولم يُنقَلْ عن أحدٍ منهم أنه نوَى المولِدَ، ونحن لهم تبَعٌ؛ فيَسعُنا ما وَسِعَهم… إلخ).
وقال أيضًا: (وبعضُهم- أي: المشتغلِين بعمَلِ المولِد- يتورَّع عن هذا- أي: سماعِ الغِناءِ وتوابعِه- بقِراءةِ البخاريِّ وغيرِه؛ عوضًا عن ذلك، هذا وإنْ كانتْ قراءةُ الحديثِ في نفْسِها من أكبرِ القُرَبِ والعباداتِ، وفيها البركةُ العظيمةُ، والخيرُ الكثيرُ، لكنْ إذا فُعِل ذلك بشَرْطِه اللائِقِ به على الوجهِ الشرعيِّ، لا بنِيَّةِ المولِد، ألَا ترَى أنَّ الصلاةَ مِن أعظمِ القُرَبِ إلى اللهِ تعالى، ومع ذلك فلو فعَلَها إنسانٌ في غيرِ الوقتِ المشروعِ لها، لكان مذمومًا مُخالِفًا؛ فإذا كانتِ الصلاةُ بهذه المثابةِ؛ فما بالُك بغيرِها؟!).
الثالث: العلَّامةُ الأصوليُّ أبو إسحاقَ الشاطبيُّ، وهو من عُلماءِ المالكيَّة أيضًا؛ قال في فتاويه (ص 203): (معلومٌ أنَّ إقامةَ المولدِ على الوصفِ المعهودِ بين الناسِ بِدعةٌ مُحدَثةٌ، وكلُّ بِدعةٍ ضلالةٌ).
وختامًا:
قد يقولُ القائلُ: إنَّ الأُمَّةَ اليومَ تمرُّ بمُنعطَفٍ خطيرٍ، وقد تَكالَبَ الأعداءُ عليها من كلِّ صَوبٍ، وهي في غِنًى عن إثارةِ مِثل هذه الموضوعاتِ، التي تُفرِّقُ المسلِمين ولا تَجمَعُهم!
وللجوابِ عن ذلك أقولُ: نعمْ تمرُّ الأُمَّةُ بأخطارٍ عِظامٍ، منها تكالُب الأعداءِ عليها، ومنها انتشارُ البِدعِ والشُّبهاتِ، وتفشِّي المنكرات، وحُبُّ الشَّهوات؛ فوجبَ على الناصحِينَ النُّصحُ والتحذيرُ؛ حفاظًا على الأمَّة، وجمعًا لكلمتِها على التوحيدِ والسُّنَّة، وإنَّ هذه الأُمَّةَ المُمتحنَةَ اليومَ والمبتلاةَ، يَتوجَّب عليها في هذا الوقتِ أكثرَ مِن أيِّ وقتٍ آخَر أن تُراجِعَ عَلاقتَها مع ربِّها، وذَنْبَها الذي استوجبتْ به ما حلَّ بها؛ فـ«ما نزَلَ بلاءٌ إلا بذَنبٍ»، وأنْ تُبادِرَ بالتَّوبةِ منه؛ لأنَّه «وما رُفِعَ إلا بتوبةٍ»، وأعظمُ ما عُصي اللهُ تعالى به بعدَ الشِّركِ به هو البِدعُ؛ فإنَّ البِدعةَ أحبُّ إلى إبليسَ مِن المعصيةِ، والله يقولُ الحقَّ وهو يَهدِي السَّبيلَ.
هذا: وإنَّ مِما يَصُدُّ كثيرًا من الناسِ عن قَبولِ الحقِّ ولو ظهَر لهم جليًّا بعدَ إيضاحِ الحُجَّةِ وبيانِ الأدلَّةِ النَّقليَّةِ والعَقليَّةِ: صُعوبةَ الانفكاكِ عما اعتادَوا عليه سِنينَ عديدةً، وكُرهَهم لمفارقةِ ما كان عليه الآباءُ والأجدادُ أو تخطِئَتَهم.
فنَسألُ اللهَ بمَنِّه وكَرمِه أن يُرِيَنا والمسلِمين جميعًا الحقَّ حقًّا ويَرزُقَنا اتِّباعَه، وأنْ يُرِيَنا الباطِلَ باطلًا ويَرزُقَنا اجتنابَه، وندعو بدُعاءِ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم:
اللهمَّ ربَّ جَبرائيلَ ومِيكائيلَ وإسرافيلَ، فاطرَ السَّمواتِ والأرضِ، عالِمَ الغيبِ والشهادةِ، أنْتَ تحكُمُ بين عِبادكَ فيما كانوا فيه يَختلفونَ؛ اهدِنا لِمَا اختُلفَ فيه من الحقِّ بإذنك؛ إنّكَ تَهدي من تشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ.
على الصعيد الشخصي: ما هي فوائد معرفة شكل الأرض؟
منقول بتصرف (حميد الرميثي)
يأتي البعض ليسأل “ماذا سأستفيد من معرفة شكل الأرض؟ ولماذا كل هذا الجدال؟ فهل سيسألني الله عن شكل الأرض؟” وأقول له إن كنت غير مهتم فلم تسأل؟ ثم أليس الحق أحق أن يُتّبع؟ وأظن أن السائل وقف عاجزًا وهو يرى الباحثين يُعرّون النموذج الكروي ويدحضونه، وهذا الأمر يصعب عليه لأنه تشربَ هذا الاعتقاد ولُقن منذ صغره وأصبحت كروية الأرض من المُسلمات، كما أن من الأسباب التي تجعله يبقى متمسكًا بها هو عزاؤه أن الأكثرية لا تزال متمسكة بالنموذج الكروي، لكنه نسي أن الله ذم الأكثرية في عدة مواضع في القرآن، ومن أمثلة ذلك أن (أكثرهم للحق كارهون).
وجوابي للسائِل أنه بالتأكيد هناك فوائد لمعرفة تسطح الأرض، منها (فوائد عامة وأخرى على الصعيد الشخصي)، أما الفوائد العامة فقد تحدث عنها محسن الغيثي – مقال: ما الفائدة من معرفة شكل الأرض؟ أهي مسطحة أم كروية! – (1)، أما هذا المقال فسيتطرق إلى فوائد معرفة شكل الأرض على الصعيد الشخصي، وسأصنف الفوائد كالتالي: فوائد دينية، وفوائد علمية، وفوائد شعورية.
من الفوائد الدينية
الإيمان بالغيب..
فالله أخبرنا عن القرآن أنه (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب..)، ومعنى الإيمان بالغيب أن يُصدق المرء كل الأخبار التي أخبرنا بها الله ورسوله؛ كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. والإيمان بكتبه يعني الإيمان بما ورد فيها مثل الجن وقصص السابقين والجنة والنار، فنؤمن أنها كلها حق.
أما من آمن ببعض وكَفَرَ ببعض (.. أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون)، لذا فعلى المسلم أن يؤمن بالغيب الذي ورد في القرآن، ومما أخبرنا الله في كتابه من أمور الغيب أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأنه سَطَحَ الأرض وثبتها بالجبال الرواسي، وأنه رفع السماء، قل لي بربك ألن يسألك الله لو أنك آمنت بعكس ما ورد في القرآن؟ فتقرأ أن الأرض سُطِحت وتقول بل كُوِرت، وتقرأ أن السماء بِناءً وتقول بل فراغًا، وتقرأ أن الأرض ثبتت بالجبال الرواسي لكيلا تميد وتقول بل تدور حول نفسها وحول الشمس، وتقرأ أن القمر نورًا وتقول بل هي تعكس أشعة الشمس! برأيك ألن يحاسبنا الله على كل ذلك؟ لقد فُتِنّا جميعا باسم العلم وآن لنا أن نستيقظ ونتفكر ونتوقف عن تسليم عقولنا لهم.
معرفة شكل السماوات والأرض تؤدي لمعرفة الخالق..
لا شك أن التفكر في خلق السماوات والأرض يُفضي بك إلى معرفة الله والإيمان به، ولو كنت مؤمنًا وتفكرت فيهما لازددت إيمانًا.
سُئِل أعرابي كيف عرفت الله؟ فقال: البَعَرَةُ تَدُلُّ على البعير، والأَثَرُ يَدُلُّ على المَسير، فَسماءٌ ذاتُ أبراج، وأرضٌ ذاتُ فِجاج، أفلا تَدلُّ على العَلّي الخَبير!
بل حتى الكافر أو المشرك لو أعملَ عقله ولو قليلًا في مسألة السماوات والأرض فسيصل بسهولة ويسر إلى حقيقة وجود خالق واحد أحد خلقهن وخلق ما فيهن، وكما قال الله (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) سورة لقمان الآية 25، (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون الله) سورة العنكبوت الآية 61، (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) سورة الزمر الآية 38، فالنظر والتفكر في السماوات والأرض تقودنا لمعرفة وجود الله تعالى والإقرار بأنه هو من أحدث وخلق هذا الكون، وكيف لا يستنتج وجود الخالق وعيناه تريان بديع صنعته، ويقول الله (فارجع البصر هل ترى من فطور * ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير) فكل صنعة جميلة تدل على قدرة صانعه، وكذلك تدلنا السماوات والأرض على الخالق.
ولكن اليوم لو سُئِلَ الكثير مِن البشر: مَن أوجد الأرض والسماوات؟ فسيقول عنها أنها نتيجة صدفة، وأننا نتيجة تطور! وكل ذلك بفضل آلية التلقين التي مارستها المدارس، والتي رسخت في عقولنا النظريات، لكن لا تزال السماوات والأرض وما فيهن شواهد على الله بديع السماوات والأرض.
وقال الله (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت) يقول تعالى حثًا للذين لا يصدقون الرسول ﷺ ولغيرهم من الناس، أن يتفكروا في مخلوقات الله الدالة على توحيده.
قِسم توحيد الله ومعرفة صفاته في القرآن مرتبط جدًا بالسماوات والأرض..
قسّم أهل العلم القرآن إلى ثلاثة أقسام: قِسم توحيد الله ومعرفة صفاته، وقِسم التشريعات، وقِسم قصص السابقين. أما بالنسبة لقِسم توحيد الله ومعرفة صفاته فتجد الله يُجيب عن تساؤلاتنا، فلو سأل سائل من هو الله؟ لوجد أن آيات القرآن تجيبه أنه (بديع السماوات والأرض)، (فاطر السماوات والأرض)، (له ما في السماوات والأرض)، (خلق السماوات والأرض وما بينهما)، وكثير من تلك الآيات التي تُعرِفنا بخالقنا أنه مُوجد السماوات والأرض وما بينهما.
أثناء دعوة النبي نوح لقومه، استدل بارتفاع السماوات وانبساط الأرض..
عندما بعث الله النبي نوح إلى قومه ليذكرهم بالله، قال لهم (ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طباقًا * وجعل القمر فيهن نورًا وجعل الشمس سراجًا) وصار يُشير إلى مخلوقات الله العظيمة وقال أيضًا (والله جعل لكم الأرض بساطًا)، نستنتج من ذلك أن التفكر في السماوات والأرض وما بينهما من آيات يزيد المُتفكر إيمانًا، ويهدي الضال والحيران إلى التوحيد، أما قومه فاستحبوا التقليد الأعمى لآبائهم على أن يتفكروا، لأنهم رأوا أنهم أقل علمًا ومكانة ومعرفة من آبائهم، فكانوا يشكون بقدراتهم العقلية لذا عطلوها! وتخيل معي لو أن شكل السماوات والأرض لا فائدة منها، فلماذا استدل النبي نوح بها؟ بل هما من آيات الله التي ما إن يُعطيهما المرء حقهما من التفكر يستدل لوجود صانع بديع قادر على كل شيء.
آية أبكت الرسول ﷺ..
عن عطاء قال دخلت أنا وعبد الله بن عمير على عائشة – رضي الله عنها – فقال عبد الله بن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله ﷺ، فبكت وقالت: “قام ليلة من الليالي فقال: يا عائشة، ذريني أتعبد لربي، قالت: قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما يسرك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، فلم يزل يبكي حتى بَلَّ حجره، ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بَلَّ الأرض، وجاء بلال يؤذن للصلاة، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت عليّ الليلة آياتٌ، ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار). أخرجه ابن حبان في صحيحه وحسنه الألباني.
فأولي الألباب يتفكرون في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار فيزيدهم هذا إيمانًا بالله ويزيدهم خوفًا من عذابه ويزيدهم طمعًا بثوابه ومغفرته.
فالآن تكونت لنا صورة واضحة أن التفكر في السماوات والأرض يزيد من الإيمان، التفكر والتأمل في عظيم ما تشاهده بعينيك، وليس بما تشاهده من الصور المأخوذة بعدسة عين السمكة (Fish Eye Lens) أو الصور الحاسوبية (CGI).
قال الله (أفلا ينظرون) فكن من الناظرين، فكما قيل العين هي مفتاح القلب. تقرأ في القرآن بعد أن يذكر الله فضله على عباده ونعمه وآياته، يخبرنا أنها (آيات لقوم يتفكرون) فكن من المتفكرين.
التفكر في السماوات والأرض يؤدي إلى اليقين بالله
يخبرنا الله عن النبي إبراهيم وكيف أن تفكره في السماوات والأرض قاده لليقين بالله (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) سورة الأنعام الآية 75، أي: نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما على وحدانية الله، عز وجل، في ملكه وخلقه، وإنه لا إله غيره ولا رب سواه. كقوله (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون) سورة يونس الآية 101، وقال (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون) سورة الأعراف الآية 185، وقال (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب) سورة سبأ الآية 9.
يشير الله للكون في القرآن الكريم بالسماوات والأرض في ١١٨ اية تقريبا، منها:
1. كانت السماوات والارض رتقا: “أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)” الأنبياء
رتقاً: ملتصقتين ملتئمتين بلا فاصل، أو منضَّمتَين لا فُرجةَ بينهما. ، والرتق لا يكون كروياً، ومعنى الآية أنهما كانتا ملتصقتين.
2. اول خلق الكون هي الأرض: “قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ (10)ثمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) ” فصلت.
طبعا على عكس علم ابليس ان الارض خلقت في الثلث الاخير من الBig Bang!!!
أن خلق الله الأرض بأقواتها في ٤ أيام، ثم خلق السماوات بالنجوم والكواكب في يومين.
3. الارض والسماء متطابقتين وعددهم واحد فهناك سبع سماوات ومن الارض مثلهن: “ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)“الطلاق.
4. طوي السماء كطي السجل للكتب ليعود خلق الكون كما بدأ!:” يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104)“الأنبياء
والسجل والكتب لايكونوا كرويين ، وهنا تطابق أن الأرض مسطحة كالكتاب, لأنها كانت ملتصقة بالسماء!
5. “ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)” البقرة.
وليس وسع كرسيه السماوات والشمس او النجم!
6.السماء فوق الأرض وليست حولها والسماوات والأرض طبقات بعضاها فوق بعض:” لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ (6)“طه.
7. الأجسام الكروية ليس لها أطراف:” أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41)“الرعد.
8. عرض الجنة كعرض السماء والأرض. والكرة ليست لها عرض!
9. كيف تقع السماء على أرض كروية بداخلها!! “ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (65)” الحج.
10. (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا)
تميدَ: تتحرك وتميل، أو تضطرب وتتحرك بعنف.
11. (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ)
في الخشوع لا تتحرك الأجسام، أي أن الأرض ثابتة ولا تتحرك لأنها في خشوع
١2. (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً)
الفراش دائماً مستوي وليس كروي
١3. (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا)
والمد لا يكون لجسم كروي.
١4. (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا)
والمهد والمهاد: المكان الممهد الموطأ أي المسطح
١5. الأرض قرار ثابت لايتحرك: (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا)
١6. (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا)
دحاها: بسطها وأوسعها
17. (وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا)
طحاها: دَحاها أو بسطها ووطَّأها، والطَّحا: المنبسط من الأرض.
18. مد البحر على جسم مسطح
(وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سبعة أبحر)
19. (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا)
٢0. (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا)
وهنا إشارة واضحة بأن الأرض ثابتة ولا تتحرك
21. (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا)
الآية واضحة ان القمر ينور السماوات، اي ان الفضاء كذبه وليس هناك مجرات وملايين المجموعات الشمسية وأننا ذره في السماء الأولى.
واذهب لاي أحد من المفسرين القدماء والسلف يفسر لك نفس الكلام، ان القمر ينور السماوات. مع انها واضحة لا تحتاج تأويل.
من الفوائد العلمية
ماذا يضرك لو ازددت علمًا؟ معرفتك بحقيقة تسطح الأرض وثباتها ستسبب لك حالة من الذهول، ستدخل في حالة الاستفاقة من بعد غفلة، ستتحفز بعدها لتقرأ وتبحث أكثر، ستفكر مرتين وتبحث عن الأدلة قبل أن تُصدق، ستبحث في كل الموضوعات وتقرأ لعدة آراء وستكون مُطّلعًا، وستبحث عن أشخاص مُطّلعين ومثقفين تناقشهم في شتى الموضوعات وتتجنب مناقشة من ينسخ ويُلصق ويُردد كالببغاء دون أن يدعم قوله بتجارب أو أدلة. ستفهم أن السفينة عندما تبتعد تختفي بسبب (قانون المنظور)، وأن الأشياء تسقط أو ترتفع بسبب (الكثافة والكتلة والحجم)، وأن الماء دائمًا يبحث عن الاستواء ولذلك تسمى المياه بالمسطحات المائية. شخصيًا، أعتقد أن معرفتي بأن الأرض مسطحة كانت الشرارة الأولى لأقرأ وأبحث في شتى المجالات، صحيح أنني لم أجد إجابات لجميع تساؤلاتي، لكنني اكتسبت وفهمت علومًا لم أكن لأكتسبها لولا الله ثم تلك الشرارة المحفزة.
من الفوائد الشعورية
بمجرد أن تدرك أنك كنت غافل عن هذه الحقيقة ستكون تحت تأثير الصدمة لوهلة، ثم ستنظر بازدراء إلى وكالات الفضاء، بل ستضحك وتتعجب وأنت تقرأ أخبار وكالات الفضاء، فهذا يُصرح أنهم لا يمكنهم الذهاب للقمر لأنهم دمروا التقنية التي أخذتهم لهناك، وهذا يقول أنه أرسل سيارة إلى الفضاء فيسأله صحفي لماذا يبدو الفيديو كأنه مزيف وغير حقيقي؟ فيجيب إنه حقيقي لهذا يبدو مزيف، وذاك الخبر الذي يقول أنهم اكتشفوا كوكب أمطاره من زجاج وآخر أمطاره من حديد! فبمجرد أن تؤمن بتسطح الأرض لن يستطيعوا ارجاعك لفخ الأرض الكروية.
ببساطة ستشعر بعظيم حجم الأرض وأنها هي مُستقرنا، وأظن أنني لا أستطيع أن أصف لك مدى جمال الحقيقة ما لم تكن جزءًا منه، فهل تذكر عزيزي القارئ حينما اصطف سحرة فرعون أمام موسى، لم يجلب فرعون أي ساحر، بل جَلَبَ كُل سحارٍ عليم، ولما غُلِب السّحرة، وعلموا أنهم أعلم الناس بالسحر وأن الذي أمامهم نبي مُرسل، خروا ساجدين، ما جاؤوا به السحر، وما جاء به موسى الحق، خروا ساجدين من غير أن يسألوه من ربك وما هي شريعتك أو أي سؤال، خروا ساجدين من غير تفكير أو تردد، خروا ساجدين مبهورين بعظمة المعجزة التي أتى بها، كان بإمكانهم أن يتحججوا أنه أعلم منهم بالسحر لكيلا يخسروا مكانتهم عند فرعون، كان بإمكانهم أن يكتموا إيمانهم، لكن لم يتمالكوا أنفسهم فخروا ساجدين، لم يخافوا عقوبة فرعون، أن يُصلبوا على جذوع النخل، وتُقطع أيديهم وأرجلهم، و يُتركوا تحت حر الشمس تنزف أطرافهم حتى الموت، أتعلم لماذا؟ لأنه لا توجد لذة أجمل من أن تُزال غشاوة الجهل عن عينيك وتُبصر الحقيقة، تلك اللذة لا تساويها أي لذة.
ما الفائدة من معرفة شكل الأرض؟ أهي مسطحة أم كروية!
منقول (د. محسن الغيثي)
أين الفائدة في معرفة أن الارض كروية أو مسطحة؟ لماذا كل هذا الجدال؟ أين المنفعة من هذا؟ سواء كانت كروية أو مسطحة أو مكعبة، الحياة تسير على ما هي عليه ولن يتغير شيء!
هو في الحقيقة، أهم فائدة أو أول دافع لخوضنا في هذا الأمر، هو “رد الباطل المفترى على القُـرآن” ابتداءً، ثم تحقير العقول واستغفالها،. فلو لم يقل الناس ابتداءً أنها كروية لما نطقنا ولا جادلنا،. ولَما فتحنا هذا الموضوع برمّته،. ولكنه تحقيق للحق، ورد الأمر لحقيقته، ولو كان متأخراً،.
أنا وأنت نعلم “من غير تعليم” أننا بشر، لنا وعي وفكر ومشاعر، ونعلم أن تكويننا مبدع ومعقد وعظيم وأنه في أحسن تقويم،. نعلم هذا بالبداهة والفطرة دون إملاء ودراسة، فتخيل أن يأتيك شخص ويقول أن الإنسان مجرد وساخة كيميائية! أو أنه عبارة عن غبار كوني، أو أنه خلق إفتراضي وليس حقيقي (يعني كمثال حين تلعب لعبة بلاي ستيشن هناك أشخاص إفتراضيين في اللعبة تتحكم فيهم أنت، فلو جلس أحد هؤلاء الاشخاص وتفكر بعمق سيكتشف أنه مجرد شخص إفتراضي)،. تخيل لو قيل لك أنك مثل هذا في الحقيقة، لو فكرت بعمق ستكتشف أنك افتراضي ولست بواقعي!، هل ستسكت عنها، وتقتنع بها؟ أم سترده؟! أما نحن فسنرده ونثبت الحق الذي نعلمه بالسليقة ولو اضطررنا لايجاد البينة سنوجدها،. ونرد باطله الغريب،.
أخي القارئ، هذا المثال الذي ضربته لك ليس مجرد مثال، بل هو موجود اليوم فعلاً، والآن كثير من الغرب يؤمن بأن الإنسان مجرد وسخ كيميائي وجد بالصدفة، ويمثلون ذلك بالعالم الافتراضي الموجود بألعاب الفيديو! فلو جئت أنت ترد عليهم، لن أفعل مثلك وأقول لك ما الفائدة؟ سواء خلقنا بإبداع أو خلقنا بالصدفة لا يهم، كله واحد، المهم الآن الحياة مستمرة! ولو فعلت ذلك ستسمني بالجاهل البليد، لا مبدأ لك ولا أصل!!
فالمسألة في الحقيقة، تحقيقٌ للحق وتصديقٌ للقرآن، وإماطة الأذى الذي لحق به من تفسير وتحريف وتخريف، ورد الأمر لأصله الأول،. فقد بيّن القُــرآن أنها سطحت، فحرفوها،. فكل ما نفعله اليوم هو أننا نقول كلمة القُــرآن لا غير : سطحت، فنُتهم، والذي يقول عنها : كورت، يُبجل ويُحترم!،.
هذا من الناحية الدينية، وهي الأساس، ثم تأتي التفرعات الاخرى التي تجعل للقضية فائدة عظيمة ولو لم يشعر بها السائل بشكل مباشر،. ولكن الحاكم والمسؤول عن مراكز وبرامج الفضاء سيشعر بها لزاماً ولن يقول ما الفائدة! هو إن صدق أنها كروية سيدفع الملايين بل المليارات لملاحقة ركب الدول المتقدمة،. ولكن لو علم أنها مسطحة ولا وجود لفضاء، كم سيوفر؟! فالمسألة بالنسبة له مهمة،. وليست مهمة جداً للعامي الجاهل،.
ــــ تسمع من الفضائيين أرقاماً خيالية، ملايين السنين، بل سنين ضوئية،. ومليارات النجوم، وأحجام الشموس وعدد المجرات، وتضخيم مهول لأحجام الكواكب والثقوب السوداء،. حتى أن الأرقام التي لا يمكن حسابها، صارت ضرباً للمثل فيقال عنها (أرقام فلكية)،. نعم، هي أرقام لا يمكنك اختبارها، ليس لك سوى الوقوف مذهولاً أمامها مسبحاً ربك على هذا الخلق العظيم،. ثم تبدأ المرحلة الثانية،.
بمجرد قراءتك لهذه الارقام الهائلة، سيكون أول شعور يخالجك بعد (سُبْحَانَ اللّٰه، سُبْحَانَ اللّٰه)،. هو أن هناك مجموعة من العلماء وصلت فيهم التكنولوجيا والعلم مبلغه ومنتهاه،. فتبدأ بتحقير نفسك أمامهم،. وستشعر بالدّون، وأنك “لا شيء”، ومهما قرأت وتعلمت ودرست، ستبقى في مؤخرة التكنولوجيا، لن تصل لمستواهم، هم أسياد العلم، هم العلماء، هم المفكرون،. هم فوق فوق وأنت تحت، تابعٌ لهم،.
أنت وكل من حولك ستشعرون بهذا،. وهذا ما يريدونه فعلاً،. هنا ترتفع عملتهم على عملتك، هنا تخضع دولتك لدولتهم، هنا يأمرونك فتسمع وتطيع، هنا ينهونك عما يريدون فتنتهي خاضعاً مرغماً، هنا يفرضون أنفسهم عليك، لماذا؟ لأنك تعلم أنهم لن يأمروا ولم ينهوا إلا بعلم ودراسة ودراية وإحاطة ومراقبة طويلة من وكالاتهم العلمية المتقدمة، هؤلاء علمااااء، أفنوا حياتهم بالتجارب والاختراعات، ودولهم دفعت المليارات لأجلهم، (طبعاً من جيوب الشعوب) انت إيش قدامهم؟! انت ما تسوى حبة غبرة في قندرة أحد علماء ناسا الذين اخترعوا هذه المحطة الدولية!! هكذا قال بعض المسلمين صراحةً،.
لا تظن أن هذا محض خيال، بل هذا حصل فعلاً، اليوم أمريكا تفرض على بقية الدول عدد معين من المصانع، لا يحق لأي دولة تعديه، لماذا؟! لأنهم اكتشفوا أن الأوزون فيه ثقبٌ واسع وستدخل الأشعة التحت حمراء والفوق بنفسجية على الكرة الأرضية من هذا الثقب، وأن دخان المصانع والغازات الناتجة من الصناعة سيضر الكوكب ويضر الناس ويسبب الاحتباس الحراري، فرحمةً بالناس وحرصاً على مصلحتهم،. يُمنع أن تصنعوا كثيراً، إلا بشروط وحدود، والدول ترد: سمعنا وأطعنا،. وتبقى أمريكا هي الرائدة في كل الصناعات، ويبقى اقتصادها هي الأقوى عالمياً، فتحكم وتتحكم، فتراها ترأست كل المنظمات الدولية وفي كل المجالات، منظمة الأوبك أمريكية، صندوق النقد الدولي أمريكي، خطوط الطيران المدني أمريكي، منظمة الصحة العالمية أمريكية، اليونيسكو واليونيسيف والأمم المتحدة من أمريكا، ومنظمة الدواء، حتى مضادات الأوبئة واللقاحات، فقط من أمريكا،. واحتكرت كل شيء في العالم، منها معاهدة القطب الجنوبي (المزعوم) التي مسكت زمام أمرها أمريكا، حتى منظمة الفضاء الدولية ناسا أمريكية، وهي التي تتحكم ببقية المنظمات الفضائية في العالم، وتبقى أنت تشحت منهم التراخيص والشهادات والموافقات بعد أن تثبت أنك صديق للبيئة!! وتحلف بأغلظ الأيمان أنك والبيئة أصدقاء من أيام الابتدائية، وتربطكم علاقة حميمة،. واليوم المصانع مجبورة على شراء فلاتر (أمريكية) لحماية الغلاف الجوي من أزمة التلوث،. ولن تستطيع أن تخطوا خطوة إلا بإشرافهم وإذنهم،.
أنت سمحت لهم، أنت أذنت لهم أن يتعالوا عليك،. حين كذبوا الكذبة، هم أنفسهم ما كانوا يتوقعوا أن يُقابل كذبهم بهذا التصديق،. قالوا نجرب، لا، لم يقولوا، كانوا على يقين أنها (راح تمشي عليهم)،. هم جربوكم من قبل بقصص الخيال الكروي والنزول على القمر، وقصص الأقمار الاصطناعية، وقصص الكواكب ذات ملايين السنين الضوئية،. وقصص الثقوب السوداء، حتى تيقنوا أن المتلقي كائن غبي، كائن بليد، يصدق النكتة، وتمشي عليه المزحة، ويأخذها بجد، بل سيدافع بدلاً منا إن لزم الأمر، لا يمكنه كشف الحقيقة لأنه يرانا أسياداً في العلم والصناعة الفضائية،. فسهل عليهم صناعة وتمرير كذبة كبرى حجمها نصف مليون كيلوجرام،.
مبروك،… لقد حققت لهم أول أهدافهم حين صدقت أول كذبة (الصعود للقمر)، فالخدعة التي بعدها كانت أسهل بكثير،. ثم توالت الكذبات، وانت شغلك الوحيد أنك تنصدم بهذا العلم وتكبر الله وتسبحه على ما هداهم،. ثم تسلم لهم تسليماً،.
لا تقل ايش ينفع موضوع الأرض؟ مسطحة ولا كروية، هذه مضيعة للوقت وكلام فاضي،. افرض طلعت مثلثة وبعدين؟! انا ايش خسران؟!! لا يا حبي، انت خسرت وخلصت من زمان،. واليوم مهما تحاول سيبقى اقتصاد دولتك محدود، وتبقى دولتك تدفع لهم، (لانهم يراقبون الأوزون، والاحتباس الحراري، والأشعة التحت باطية الاقحوانية، ويراقبون ذوبان الجليد من القطبين، ومنسوب مياه المحيطات) عشان يحمون كوكب الأرض وعشان الناس الغلابة،..
اليوم الدول تضع ميزانيات ضخمة لرحلات الفضاء، ولمواكبة التطور واللحاق بقافلة العلم (الغير نافع)،. كل تلك الأموال من جيبي وجيبك،. كان الفقراء أولى بها، فهي من ثروات أرضها وشعبها، وحين تكسرت ميزانياتها واحتاجت لضخ المزيد من المال رفعت قيمة المخالفات ورفعت الرسوم وفرضت الضرائب على الشعب،. من الذي يدفع تلك الضرائب والرسوم؟! أنا وأنت،. أبي وأبيك، جاري وجارك، كل منا يدفع من تعبه وعرقه،.. ثم تقول ما الفائدة؟! المفروض أن يُقلب عليك السؤال،. بعد أن دفع الشعب كل تلك الأموال،. ماذا استفدنا؟
هذا هو السؤال المهم الذي يبطل مزاعمهم الفضائية،. ماذا استفدنا؟
فلنفرض أننا صدقناهم، ماذا بعد؟، ماذا استفدنا؟! ما الذي جنيناه؟ هذا السؤال الذي لا يعرفون إجابته،. ذهبتم للقمر؟ تمام، ذهبتهم للمريخ؟، طيب جميل، رااائع، وبعدين؟! ماذا جنينا من هذا؟! ما الذي تغير؟؟ هل تحسنت معيشة الناس؟ نزلت الاسعار؟! هل اصبح الناس في أمن وأمان أكثر من قبل؟! هل شبع الناس وحلت مشاكل الفقر؟! هل عاش الناس بصحة عالية وخفت الأمراض؟ هل حل الأمان والسلام على الأرض وتوقف الحرب والدمار والتهجير؟! بل حتى لما اختفت الطائرة الماليزية والمصرية، هل نفعونا في هذه؟! هل أوجدوها!؟
من الأولى بهذا السؤال؟ الكرويون أم المسطحون؟
الحقيقة،.. الذي أثار المسألة ونفخ وتعمق فيها وتكلم وتكلم وأنشأ لها الكتب المنسوبة للعلم (تستراً على الإلحاد)، ثم التخصصات ثم المحطات والوكالات، وتزعم تمثيليات صعود الفضاء،. من؟! هو الذي يوجه له هذا السؤال،. ما الفائدة من معرفة كونها كروية أو مسطحة؟!
أما نحن فلماذا نُسأل هذا السؤال؟! ماذا فعلنا؟! قلنا للناس ما قال الله،. فقط،. فلمَ نسأل؟!
الأصل أن يُوجه السؤال للقوم الذين قالوا كورت، لم قالوا بأنها كرويّة، ولن يجدوا لهذا السؤال جواباً إلا أنهم نُشِئوا عليه منذ الصغر، وهكذا لُقّنوا، هذا ما وجدنا عليه آباؤنا،. فصدقوا ولم يتسائلوا يوماً عن البرهان،. ودفاعاً عما تربّوا عليه، سيقولون بأن العلم الحديث “أثبت” هذا بالصور، وبالرّحلات الفضائية،. ﴿..تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ؛ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾،. هذا وهم،. حيث أن الصور والرحلات كلها مزوّرة،. فيسقط هذا الإثبات،. وليس عندهم غيره، فيبقى السؤال الأهم هو لماذا اخترعوا هذه الكذبة؟! فهم الأولى بالسؤال هذا، وهذا مالا يقبله المؤمنون بالكروية،. يرضى بالعيش في الوهم ولا يرضى أن يقال له أنت موهم! ويجهلون تماماً ما وراء هذا الوهم والكذب والتزوير وما الهدف والغرض منه،. يجهلون أن الأمر كله لعبادة الشمس، وتأليه الشمس وتعظيمها،. وحذف ما تؤمن به من أن ((الله)) هو الذي خلق وأبدع، والبراهين كثيرة،. يكفيك قليل من البحث بعمق والتفكير بجدية في سبب الكذب،. ليست في هذه القضية فقط،. بل حتى في قضية بدأ الخلق والنشأة الأولى، فقد تفلسفوا فيها وخرصوا، ظنا وكذباً من أنفسهم بلا برهان، ثم ثبتوا دراستها على المدارس والجامعات بقوة السلطة، منذ سنة 1975 حتى خرج الجيل الجديد يؤمن بل يوقن بنظرية الانفجار الكبير ونظرية داروين، وأنهما هما الحق الذي كان،.
ثم إن كنت لا تهتم بشكل الأرض هي مسطحة أم كروية، فلم تتعنى وتسأل هذا السؤال؟! تجاهل الموضوع، وامض في طريقك،.
كيف تقنع من لا يعترف بالقرآن؟!
أعداد الذين يؤمنون بالمسطحة من الكفار أكثر من أعداد المسلمين أضعافاً مضاعفة، المفارقة العجيبة، أنهم لا يعترفون بالقرآن! فكيف هؤلاء آمنوا بالمسطحة بظنك؟!
أدلتهم من الإنجيل قليلة جداً وليست قوية، لا يعتمدون عليها اعمتادا كليا،. بل على الأدلة العلمية،.
ولكن عندنا كمسلمين،. كل من يسأل ما الفائدة في الكلام عن الأرض وشكلها، والسماء وخلقها وكل هذه التفاصيل! رد عليه بهذه الآيات،. ولاحظ خواتيم الآيات،.
قالَ اْللّٰه،. ﴿المر،. تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ ((وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ)) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ ((لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ((إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ((إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ))﴾ [الرعد 1 ــ 4]
كل كذبة وراءها أهداف
كل كذبة وراءها أهداف لا يريدونك أن تعرفها مباشرةً وإلا فضحوا أنفسهم، ولكن بعد ترسخ هذه الأفكار في ذهنك، تتفكر بعدها بعمق، وتكتشف أن الإنسان لا يحتاج لخالق يخلقه! وترد الأمر للطبيعة تخلق نفسها وتبقي الأصلح، وهكذا يبلغون ما يريدون من أهداف مدروسة بعناية، وكونك لا تعلم الهدف لا يعني أنه غير موجود،.
موضوع الكروية لهم فيها هدف،.
موضوع مثلث برمودا لهم فيها غرض،.
كذلك نظرية التطور وأن أصل الانسان قرد، لهم فيها قصد معين وهدف،.
موضوع القطب الجنوبي، موضوع قنابل اليورانيوم والنووي، موضوع الاحتباس الحراري، الجاذبية، الغلاف الجوي والاقمار الصناعية،. ثقب الأوزون،. وغيرها الكثير
كلها وراءها غرض وهدف يسعون للوصول إليه،. إن كذبت إحدى هذه الأمور، وهذا لابد، مثل (تكذيبك لنظرية التطور) فسوف أسألك لماذا بظنك يكذبون؟!
جوابك يهمني، ليس لمجرد الإجابة نفسها، بل لأنك بدأت تفكر وتعمل عقلك ولا تتبع كل ما يقال،. بدأت تشك فيهم، بدأت تتسائل وتكتشف بنفسك ولا تقلد كالأعمى،. واعلم أن إجابتك على سبب كذبهم في (التطور) هو نفس إجابتنا على سبب كذبهم في (الكروية)،.
كن على بينة من أمرك واعرف أين وضعك الله، وتحقق من الطريق التي تسير فيها،. ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك 22]
قالَ اْللّٰه،. ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ((اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا)) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَٰذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس 66 ـ 70]،.
لاحظ أن الآية 66 تتكلم عن الشرك، والآية 68 كذلك عن الشرك، أما الآية التي بينهما 67،. آية عجيبة، تتكلم عن الليل والنهار، لا دخل لها بالشرك، ولكن هل تعلم أن الله يبطل بهذه الآية كل الشرك؟ كيف؟،.. قال،. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾،. اللّه ذكر الليل وما يقابله: أي النهار،. لكن حين ذكر السكون للّيل،.. يفترض (بأفهامنا القاصرة) أن يذكر ما يقابل السكون،. وهو الحركة، لكنه ذكر الإبصار، قال ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾، عكس السكون هو الحركة، وليس الإبصار! فلماذا ذكر الإبصار؟!
الناس في النهار (يبصرون)،. يتحركون ويقضون ويعملون ويسافرون،.. ولكن في الليل يسكنون،.. لماذا؟ لأنهم لا ((يبصرون))،. الليل ظلمة،. عتمة،. لا تستطيع أن تخرج وتعمل أو تصيد أو تشتغل في الظلمة، ففي الصيد قد تقتل إنساناً وأنت تظنه دابة، ففي الليل أنت لا ترى، ولا تبصر، فلا تعرف هذا الذي أمامك أهو رجل أم امرأة؟ فلا تستطيع أن تقضي بشيء،.. فبالتالي تمسك ولا تقضي بشيء حتى تبصر وتتأكد، لن تبني قرارك على ظن.
بإختصار: حين تُظلم عليك ولا تملك الهدى والنور تَسكن،.. لأنك لا تبصر ولا ترى فلا (تعلم)،.. كل ما بين يديك يصير غيباً فتسكن، هذا أنت يا إنسان،.. تسكن لأنك لا تملك النور الذي يدلك ويهديك (إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَٰذَا)؟،.. فكيف تحكم على اللّه وهو (غيب) أن له ولد؟؟ أين رأيتَ الولد؟ أين رأيت الشريك؟ (أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُون)؟ لا ترى اللّـه،.. ولا ترى شيئاً في الغيب،.. ثم تقضي وتحكم به كما تشاء؟!
وكأن الله حين تكلم عن الليل الساكن يعلمك أن تسكن في الطريق المظلم، ولا تسير حتى تبصر أمامك فتعرف أين تضع رجلك في الطريق،. الطريق الذي قدمته لنا ناسا وأعوانها طريق مظلم لا ترى فيه نوراً ولا دليلاً ولا برهاناً، لا بينة لديك ولا لديهم ولا هادي ولا نور، طريق لا تستطيع القضاء فيه فقف، قف مكانك حتى تجد نوراً تهتدي به، حتى تبصر، حتى تجد دليلاً يقودك لبر النجاة،. ولن تجد هادياً أهدى من القُــرآن،. هو نور، بصائر،. آيات، بينات، مبيّنات،.
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ ((هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ)) أَمْ هَلْ تَسْتَوِي (الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ) أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ ((خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ)) قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد 16]
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينْ، رَبَنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا،.. ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾،.
ابني في بيتك مسجد .. فكرة صحابي جليل أقرها النبي صلى الله عليه وسلم
منقول
بينما كنت أقرأ في كتاب كيف تخشع في صلاتك للدكتور راغب السرجاني توقفت عند مقال مبدع ورائع .. وراقتني للغاية الفكرة التي وردت به ولذا أردت أن أنقلها إلى أكبر عدد من القرّاء كما جاءت في الكتاب لعلها تكون مفيدة لنا جميعا وخاصة أنها فكرة سهلة ومتاحة ..
وقد وضع الدكتور راغب السرجاني الفكرة في الكتاب بعنوان: في بيتنا مسجد، وفيما يلي نص المقال:
المقصود هو تجهيز مكان في البيت يكون بمثابة مسجد «داخلي»، يصلي فيه المسلم صلوات النوافل؛ خاصة قيام الليل، وتُصَلِّي فيه المرأة، ويمكن أن نُصَلِّي فيه الفروض في حال عدم التمكُّن من صلاة الجماعة لعذر من الأعذار.. كما إنه يُتَوَقَّع أن يشعر المُصَلِّي بالخشوع لمجرَّد الدخول في هذا المكان؛ لأنه جرَّب الخشوع فيه قبل ذلك، فتهيَّأ العقل لأحاسيس الخشوع حتى قبل أن يبدأ في الصلاة!
ومن الجميل أن تعرف قبل الشروع في تنفيذ الفكرة أنها وردت على ذهن صحابي جليل، وأن الرسول ﷺ أقرَّ الفكرة؛ بل ساهم في تطبيقها! والصحابي هو عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصارِيّ، ولقد روى لنا قصته اللطيفة فقَالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سَالِمٍ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي، فَلَوَدِدْتُ أَنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مَكَانًا؛ حَتَّى أَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا. فَقَالَ: «أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللهُ». فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟». فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ المَكَانِ الَّذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ» [1] .. موقف رائع حقًّا!
رائع جدًّا أن يجتهد الصحابي في تهيئة أفضل ظروف تساعده على صلاة خاشعة! ورائع جدًّا أن رسول الله ﷺ تجاوب معه مع انشغالاته الكثيرة! ورائع جدًّا أنه أخذ أبا بكر رضي الله عنه ليشهد «افتتاح» المسجد الداخلي! ورائع جدًّا أن يُصَلُّوا جماعة في هذا المسجد «البيتي» حتى يأخذ عتبان بن مالك شعور المسجد الجامع في هذا المسجد الصغير!
ألا ما أروعك يا رسول الله..
وإذا كان الأمر كذلك، فلنسعَ إلى تهيئة المكان بصورة تُساعد على استكمال الصورة الذهنية للمسجد، وبذلك تتحقَّق الفائدة بشكل أكبر، وأنا أقترح عدَّة وسائل عملية تُساعد في هذا الأمر؛ منها على سبيل المثال:
- إطلاق اسم المسجد على هذا المكان حتى نُساهم في التهيئة النفسية.
- جعل المكان منعزلًا عن الضوضاء وحركة الناس قدر المستطاع، فلو كان البيت كبيرًا خصصنا حجرة لهذا الأمر، وإن لم يكن كذلك خصصنا ركنًا في أحد الحجرات التي لا يدخلها أهل البيت كثيرًا مثل حجرة الضيافة، أو ما شابه.
- للحفاظ على هدوء المكان ينبغي عدم وضع تليفون أرضي فيه، ولا تدخل إليه بتليفونك المحمول، كما يُفَضَّل وجوده في مكان بعيد عن التليفزيون قدر المستطاع.
- الحرص على عدم وجود صور أو تحف أو مشغولات؛ لأن هذا كله قد يشغل المُصَلِّي عن صلاته، فلا يتحقَّق له الخشوع.
- يُفَضَّل أن يُفرش المكان بالسجاد بشكل دائم ليأخذ طابع المسجد.
- نحرص على أن يكون السجاد والستائر في المكان بلا زخارف ولا نقوش، ولتكن الألوان هادئة ومريحة للأعصاب كالأبيض أو الأزرق الفاتح جدًّا أو نحو ذلك، ولا تفترض في نفسك القدرة على التركيز في وجود الزخارف الكثيرة! ولو جادلت في هذه النقطة فيكفيك أن تراجع موقفًا حكاه أنس بن مالك رضي الله عنه فقال: كَانَ قِرَامٌ [2] لِعَائِشَةَ قَدْ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي»[3]! ولعلَّ هذا يفتح مجالًا لنا الآن لنناقش قضية سجاجيد الصلاة التي اعتدنا أن نُصَلِّيَ عليها في بيوتنا، فإن معظمها –للأسف- مليء بالنقوش والألوان، وهذا من البلاء الذي قبلناه دون تفكير مع أن إصلاحه يسير، ولعلَّنا نُطلق دعوة في هذا التوقيت لأحد المستثمرين المسلمين الغيورين على صلاة المسلمين أن يُنتج نوعًا من السجاد بلا زخارف يعين المسلمين على الخشوع في صلاتهم!
- يفضل وضع مصاحف على منضدة بسيطة، أو في مكتبة صغيرة، حتى تُيسِّر على الجالس في المكان أن يقرأ أو يُراجع الحفظ، كما أنها ستُساهم بشكل مباشر في التهيئة النفسية للمُصَلِّي.
- يفضل وضع تفسير صغير مُبَسَّط لكلمات وآيات القرآن حتى يرجع إليه المُصَلِّي لقراءة تفسير بعض الكلمات المبهمة؛ لأن فهم معاني القرآن يُعين بقوَّة على الخشوع، وقد يكسل المُصَلِّي عن البحث عن المعنى إذا لم يجد التفسير متاحًا.
- ينبغي أن تكون التهوية جيدة في المكان؛ سواء كانت طبيعية عن طريق نافذة أو شرفة، أو صناعية عن طريق مروحة أو تكييف.
- أيضًا ينبغي أن تكون الإضاءة جيدة، ويُفَضَّل الإضاءة البيضاء غير المباشرة.
هذه بعض النصائح التي يمكن أن تجعل هذه البقعة في البيت معراجك إلى السماء! وما أروع أن تُصَلِّيَ فيها وأن تتدبَّر في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 87]..
فاللهم اجعل بيوتنا قبلة، وتقبَّل منَّا، إنك أنت العزيز الحكيم..
[1] البخاري: كتاب صفة الصلاة، باب مَنْ لم يَرَ ردَّ السلام على الإمام واكتفى بتسليم الصلاة، رقم (804).
[2] القرام هو ستر رقيق من الصوف فيه نقوش وألوان.
[3] البخاري: أبواب الصلاة في الثياب، باب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته؟ وما ينهى عن ذلك، (367).
قصة الأندلس الكاملة من الفتح إلى السقوط
الكاتب: عبد السلام عصر
لا شك أن سقوط دولة الأندلس في شبه الجزيرة الأيبيرية هو جرح في قلب كل مسلم غيور على دينه وأمته، بل الأكثر إيلامًا وكمدًا من جرح السقوط هو ما حدث بعد السقوط من مذابح وقتل وتعذيب وتهجير للمسلمين في الأندلس.
وحتى لا ننسى تاريخنا المظفر الحافل بالأمجاد والبطولات على أرض هذه الجزيرة، سأحاول في هذا المقال عرض وسرد أحداث ثماني قرون عشناها هناك عن طريق الوقوف على سيرة أبرز الشخصيات التي سطرت بدمائها هذا التاريخ المجيد.
طارق بن زياد
أيها الناس، أين المَفَرُّ؟ البحرُ من ورائكم، والعدوُّ أمامَكم وليس لكم واللَّهِ إلا الصدقُ والصَبْرُ. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أَضْيَعُ من الأيتام في مَأْدُبَةِ اللِّئام، وقد اسْتَقْبَلَكم عدوّكم بِجَيْشِهِ وأَسْلِحَتِهِ، وأَقْواتُه موفورةٌ ، وأنتم لا وَزَرَ لكم إلا سيوفُكم ولا أقواتَ إلا ما تَسْتَخْلِصُونَه من أيدِي عدوِّكم،…
هكذا استهل طارق ابن زياد حديثه إلى جنده قبيل معركة وادي برباط في 28 من رمضان للعام 92 من الهجرة.
عبر طارق بن زياد بسبعة آلاف مقاتل المضيق -الذي مازال يحمل اسمه حتى يومنا هذا- بتكليف من قائده الأعلى والي إفريقيا للخليفة الوليد بن عبد الملك موسى بن النصير، والذي استنجده طارق قبيل معركة وادي برباط فمده موسى بن النصير بطريف بن مالك على رأس خمسة ألاف مقاتل.
لتبدأ معركة وادي برباط في 28 من رمضان بين طارق بن زياد على رأس 12 ألف من المسلمين ضد ملك القوط لذريق ومعه 100 ألف من الجند، لتنتهي المعركة بعد ثمانية أيام على نصر ساحق للمسلمين، ومقتل -أو هرب- لذريق ملك القوط، وسرعان ما استغل طارق بن زياد الفرصة محاولًا فتح كامل الجزيرة الأيبيرية.
فبينما كانت طليطلة عاصمة القوط تشهد صراعات بين أنصار لذريق وأنصار الملك السابق غطيشة على من يتولى الحكم، كان طارق بن زياد مسرعًا إليهم بجيشه فاتحًا في طريقة شذونة و مرور و إستجة، ومرسلًا السرايا؛ لفتح باقي المدن فأرسل بسرايا إلى كلٍ من مالقة وقرطبة وغرناطة ومرسية، وكان بعض هذه السرايا لا يتعدى 700 مقاتل.
واصل طارق بن زياد زحفه فاتحا كامل الأراضي الأيبيرية مخالفًا أوامر موسى بن النصير؛ التي كانت تقتضى بالتمهل والحذر وعدم التسرع في التوجه إلى طليطلة. وصل طارق بجيشه ودخل طليطلة ولم يكتفى بذلك، بل واصل الزحف شمالًا إلى مملكتي قشتالة وليون، وظل يطارد القوط عبورًا بجبال استورياس وصولًا إلى خليج بسكونية على المحيط الأطلسي.
وعندما علم المسلمون بالجهاد في الأندلس، تدفقوا من كل حدب وصوب إلى بلاد المغرب العربي؛ حيث عبر موسى بن النصير بـحوالي 18 ألف إلى الأندلس، وفى طريقة فتح اشبيلية بعد حصار دام شهور، وأرسل ابنه عبد العزيز بن موسى بن النصير فاتحًا لبلاد البرتغال.
والتقى أخيرًا بطارق بن زياد في طليطلة وعنّفه تعنيفًا شديدًا على مخالفته لأوامره ثم اتجها سويا فاتحين برشلونه ثم سرقسطة وأرسل موسى بن النصير سريه إلى مدينة أربونة جنوب غرب فرنسا، وواصل المسلمون فتح باقي مدن الأندلس حتى تم الانتهاء من فتح كامل الجزيرة الأيبيرية في العام 95 هـ، ما عدا مكان صغير يُدعى صخرة بلاى على المحيط الأطلسي، وما أن عزم موسى بن النصير على فتحه حتى أتاه أمر أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بوقف الفتوحات، والعودة هو وطارق بن زياد إلى دمشق.
عبد الرحمن الغافقي
بعد الفتح أصبحت الأندلس ولاية تابعة إلى الدولة الأموية بدمشق، وتميز هذا العصر بالتأسيس الحضاري والعمراني فأسسوا الإدارة وأنشئوا الكباري والقناطر مثل قنطرة قرطبة العجيبة التي كانت بمثابة تحفة فنية في زمانها، وكان أيضا مما يميز هذا العصر دخول معظم سكان الأندلس إلى الإسلام ونقل العاصمة من طليطلة إلى قرطبة، ولكن كان أهم سماته على الإطلاق هو الجهاد في فرنسا.
وكان من أبرز ولاة هذا العصر السمح بن مالك الخولاني الذي عينة الخليفة عمر بن عبد العزيز سنة 100 هـ، وما كان الأمر يستقر في الأندلس للسمح بن مالك حتى انطلق بجيشه مجاهدًا في فرنسا فاتحًا كامل الجنوب الغربي لفرنسا مؤسسا ولاية إسلامية فى سبتمانيا وظل يجاهد في فرنسا حتى لقي ربه شهيدًا يوم عرفه في معركة تولوز بطرسونة سنة 102 هـ.
خلف السمح بن مالك عبد الرحمن الغافقى لمدة شهرين حتى عين والي إفريقيا عنبسة بن سحيم على الأندلس الذي انطلق مجاهدا في فرنسا فاتحا ما يقرب من 70 % من كامل أراضي بلاد الغال حتى وصل إلى مدينة سانس التي تبعد عن باريس حوالى 30 كيلو متر فقط، واستشهد عنبسة وهو في طريق عودة إلى الأندلس متأثرا بجراح أصيب بها في بعض معاركه.
تولى الخلافة بعد عنبسة بن سحيم بعض الولاة الذي لم يكونوا كسابقيهم بل بدأت الاضطرابات وعلا صوت العنصرية بين العرب والبربر حتى وصلت الولاية إلى عبد الرحمن الغافقي الذي استطاع بتقواه وعدله وحسن سياسته توحيد صفوف المسلمين، واستكمل الفتوحات فاتحا أقصى الغرب الفرنسي متجها إلى باريس ففتح مدينة أرل ثم طلو
شة ثم تور ثم وصل إلى بواتيه التي تسبق باريس مباشرة -حوالي مائة كيلومتر إلى الغرب من باريس-.
ويعد جيش الغافقى هو أكبر حمله دخلت فرنسا حيث كان تعداد جيشه 50 ألف مقاتل، في مواجهة ما يقرب من 400 ألف تحت قيادة شارل مارتل الذى جمعهم من جنود ويهود ومرتزقة، ودارت رحى الحرب الطاحنة فى بواتية على مقربة من باريس.
وكادت أن تنتهى المعركة على نصر للجيش الإسلامي والظفر بفتح باريس نفسها ولكن تأتى الرياح بما لا تشتهي السفن، حيث كانت الهزيمة الساحقة للجيش الإسلامي بعد مقتل عبد الرحمن الغافقي في اليوم العاشر وانسحاب المسلمين إلى الجنوب، وكانت هذه النقطة هي أبعد ما وصلت إليه الجيوش الإسلامية وتوقفت الفتوحات في فرنسا بعد الهزيمة التي من شدة هولها لم يكن المؤرخون المسلمون يتحدثون عنها.
بينما أطنب المؤرخون الأوربيون بالحديث فيها وأفردوا لها مجلدات ومجلدات، وكان من الغرابة وصف بعض المؤرخين الأوروبين لنصر شارل مارتل على الجيش الإسلامي بالنصر الكارثي حيث قال المؤرخ أناتول فرانس
إن أهم تاريخ في حياة فرنسا هو حين هزم شارل مارتل الفرسان العرب في بواتية سنة 732 م؛ ففي ذلك التاريخ بدأ تراجع الحضارة العربية أمام الهمجية والبربرية الأوروبية.
عبد الرحمن الداخل
وظلت الأندلس تتبع الخلافة الأموية بدمشق حتى استقل بها آخر أمراء عصر الولاة يوسف الفهري عن الدولة الأموية، وبعد أن اكتسحت الرايات السود القادمة من خرسان للدولة الأموية وقتل آخر الخلفاء الأمويين مروان بن محمد وأعلن قيام الدولة العباسية واتخاذ بغداد عاصمة لها، شرع العباسيون في قتل الأمراء الأمويين وأبناءهم حيث لم ينجوا من القتل إلا قلة من الأمويين هربًا وتفرقًا في البلاد.
وكان من هؤلاء الذين لم تصل إليهم سيوف العباسيين هو عبد الرحمن بن معاوية حفيد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك ، وبعد مطاردات لسنوات عدة وصل أخيرا عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس.
وبمساعدة خادمه بدر دخل عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس التي كانت جاهزة تمام إلى استقباله، كان يحكم الأندلس يومئذ يوسف الفهري بمساعدة القيسية، وبمجرد أن دخل عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس بدأ يجمع حوله محبي الأمويين من العرب والبربر واتفق مع العرب اليمنية وبعض القبائل المعارضة ليوسف الفهري وبعض الأمويين الهاربين من العباسيين.
وفى ذي الحجة سنة 138 هـ دارت معركة المصارة بين يوسف الفهرى ومعه القيسية من جهه ومن الجهة الأخرى عبد الرحمن بن معاوية الذي يعتمد كليا على اليمنية، ودارت رحى الحرب على معركة قوية انتصر فيها عبد الرحمن بن معاوية وفر يوسف الفهري، وما إن سارع اليمنية في مطاردة القيسية حتى قال عبد الرحمن بن معاوية كلماته الخالدة:
لا تستأصلوا شأفة أعداء ترجون صداقتهم، واستبقوهم لأشد عداوة منهم.
نعم، إنه عبد الرحمن ابن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي، إنه سليل الخلفاء والملوك إنه رجل ليس في قلبه غل ولا حقد ممن كانوا حريصين على قتله منذ سويعات قليلة.
وحاول بعض الجند نهب قصر يوسف الفهري وسبي أولاده وحريمه فسارع عبد الرحمن بن معاوية وطرد الناس وكسى من عرى منهم ورد ما قدر على رده بل وأقام بظاهر قرطبة ثلاثة أيام حتى يترك الفرصة لأهل يوسف الفهري أن يجمعوا أمرهم ويرحلوا بأمان.
ودخل عبد الرحمن بن معاوية قرطبة عاصمة الأندلس ولقب بعبد الرحمن الداخل وقام بتأسيس الإمارة الأموية في الأندلس التي بدأت منذ العام 138 هـ حتى العام 316 هـ، وخلال فترة حكم الداخل التي امتدت 34 سنة قامت عليه حوالي 25 ثورة أخمد جميعها بذكاء عجيب وترك البلاد في فترة من أقوى فترات الأندلس في التاريخ وتوفى بقرطبة ودفن بها سنة 172 هـ.
عبد الرحمن الناصر
وتولى الإمارة بعد عبد الرحمن بن معاوية ابنه هشام (17 – 180) ومن بعده الحكم بن هشام (18 – 206) الذي كان ظالما سيء الخلق وفى عهده سقطت برشلونة في يد النصارى وأصبحت إمارة نصرانية تعرف في التاريخ باسم إمارة أراجون ولكنه ندم في آخر عهده واعتذر إلى الشعب واختار أفضل أبناءه ولى للعهد ثم مات بعدها بعاميين.
تولى بعد الحكم بن هشام ابنه عبد الرحمن الملقب بعبد الرحمن الأوسط وكانت فترة حكمه من أزهى فترات الأندلس حيث كان عادلا حسن السيرة مهتما بالعلوم مستأنفًا للجهاد وأول من ضرب الدراهم في الأندلس وهو من بنى سور إشبيلية وأول من أدخل كتب الأوائل إلى الأندلس.
ومن أهم مميزات عصرة ازدهار الحضارة العلمية والمدنية وأوقف همجية غزوات النورمان الفايكينج حيث دارت بينه وبينهم معركة بحرية طاحنه بعد أن هاجموا مدينة اشبيلية انتهت بإغراقه لمعظم سفنهم وهزمهم هزيمة نكراء ووصلت البلاد في عهده من العزة أن جاءته الهدايا من القسطنطينية.
وبعد وفاة الأوسط سنة 238 دخلت الإمارة في مرحلة ضعف استمرت لسنة 300، يمكننا تلخيص سمات هذه الفترة بالآتي:
•تصاعد وكثرة الثورات نتيجة لظلم الولاة.
•تجرأ مملكة ليون على حدود الدولة الإسلامية.
•وقيام مملكة نصرانية جديدة انشقت عن مملكة ليون سميت مملكة نافار.
•ظهور نجم دولة شيعية ( الدولة العبيدية ) في بلاد المغرب.
ويكاد الناظر إلى أحوال الدولة الإسلامية في الأندلس يجزم أنه ما هي إلى شهور أو سنوات على الأكثر حتى سقوط هذه الدولة في يد مملكة ليون، وتحتاج هذه الدولة إلى معجزة لمجرد البقاء، وكانت المعجزة حقًا هي وصول عبد الرحمن الناصر إلى الحكم سنة 300، بعد وفاة جده الأمير عبد الله.
وخلال ستة عشر سنة قام الناصر بتغير التاريخ وحول الأندلس من دولة معرضة للسقوط إلى أعظم دولة على وجه الأرض في زمانه حيث أخمد الثورات وأعاد توزيع المهام والمناصب وقضى على ثورة صوميل بن حفصون أخطر ثورات الأندلس، وأعاد جمع شمل دولة الأندلس بعد ستة عشر عاما من الكفاح المضني.
ثم نظر عبد الرحمن الناصر إلى الشرق فوجد أن الخليفة في بغداد قد قتل ويحكم السلاجقة بغداد فعليا وأن المغرب العربي يحكمه العبيديون الشيعة فوجد أن الأندلس هي الأحق الآن بلقب دولة الخلافة؛ فأعلن الإمارة الأموية خلافة إسلامية، وهنا بدأ عهد الخلافة الأموية في الأندلس.
بعد ثلاث سنوات من قيام دولة الخلافة الأموية في الأندلس هاجم الناصر العبيديين في المغرب وضم مدينتي سبتة وطنجة إلى حكمه، وفى سنة 323 تأتى الخيانة من حاكم السراقسطة الذي تحالف مع مملكة ليون لحرب الناصر التي انتهى الأمر بالناصر مؤدبا له ومسيطرا على سراقسطة غازيا مملكة ليون من سراقسطة سنة 326.
وفى عام 327 كان الناصر يملك أقوى قوة عسكرية عرفتها الأندلس 100 ألف مقاتل ذهب بهم في غزوة إلى مملكة ليون انتهت بهزيمة منكرة ومقتل وأسر ما يقرب من 50 ألف من جيش الناصر.
وسرعان ما عاد الناصر إلى سابق عهدة لتدور رحى الحروب بينه وبين مملكة ليون من العام 329 حتى عام 335 حتى أيقنت مملكة ليون بالهلاك فطلبت الأمان، والمعاهدة على الجزية يدفعها للناصر، وأن لم يمنع هذا نشوب بعض المعارك حتى عام 350، توفى الناصر سنة 350 تاركا الأندلس الدولة الأولى في العالم حضاريا ومعماريا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا.
الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر
وتولى الخلافة بعد الناصر الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر الذي كان ورعا تقيا حسن السيرة والخلق مهتما بالعلم والكتب حتى أصبحت قرطبة في عهده بلد العلم والعلماء وأسس المكتبة الأموية التي تعتبر أعظم مكتبات العصور الوسطى على الإطلاق.
وكان مجاهدًا عظيمًا استطاع أن يهزم جيوش الممالك النصرانية الثلاثة مجتمعة وحاول السيطرة على بلاد المغرب في الشمال الإفريقي وتوفى سنة 366 بعد أن أخذ البيعة لابنه هشام الذي ما يزال طفلا.
تولى الخلافة هشام بن الحكم وهو طفلا بن أحد عشر عامًا بعد محاولات من قبل بعد الفتيان الصقالبة بإبعاد الخلافة عنه إلى عمه المغيرة بن عبد الرحمن الناصر، استطاع إجهاضها جعفر الحاجب وأمه صبح البشكنسية ومحمد بن أبى عامر، وبعد عدة أعوام وبدهاء استطاع محمد بن أبى عامر الوصول إلى منصف الحاجب والإطاحة بجعفر الحاجب والسيطرة التامة على مقاليد الحكم في الأندلس.
وبهذا تدخل الأندلس مرحلة الدولة العامرية التي ما هي إلا امتداد لدولة الخلافة الأموية، وتعتبر الدولة العامرية هي ذروة القوة والازدهار في الأندلس وأقوى فتراتها على الإطلاق.
كان ابن أبي عامر ذكي موهوب حسن السياسة بارع في الإدارة ومجاهدا عظيما لم تهزم له راية قط، وأنشأ مدينة الزاهرة على غرار مدينة الزهراء التي بناها عبد الرحمن الناصر، وبنا له قصر فيها ونقل إليها الوزارات والدواوين، وفى بداية عهد محمد بن أبى عامر تمرد عليه قائد جيشه ووالد زوجته الذي ساعده في الوصول إلى منصب الحاجب غالب الناصري.
فسار إليه محمد بن أبي عامر بجيش من قرطبة، فاستعان غالب الفهري بملك ليون، والتقى الجيشان في معركة مثيرة، وأثناء المعركة رفع غالب يده بالدعاء قائلًا:
اللهم إن كنت أصلح للمسلمين من ابن عامر فانصرني، وإن كان هو الأصلح فانصره
وخرج غالب خارج المعركة يريد الاختلاء بنفسة، فتبعوه، فوجدوه ميتًا بدون طعنة أو رمية، وما أن علم جيش غالب المسلم بوفاته حتى انضموا إلى جيش ابن أبى عامر فوقع جيش ليون في مأزق، لتبدأ من هنا مسيرة محمد بن أبى عامر الجهادية ضد الممالك النصرانية لمدة 27 عامًا انتهت جميعها بالنصر للمسلمين.
وحيث قال رسول الله لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم، فكان ابن أبي عامر بعد كل معركة ينفض ثوبه ويجمع الغبار الذي يخرج منه ويضعه في قارورة، وأمر بأن تدفن معه حتى تشهد له يوم القيامة بجهاده ضد النصارى.
المعتمد بن عباد ويوسف بن تاشفين
بعد وفاة المنصور محمد بن أبي عامر سنه 392 تولى الحجابة من بعده ابنه عبد الملك بن المنصور سار فيها على نهج والده حتى مات سنة 399، وتولى بعده أخيه عبد الرحمن بن المنصور وكان ماجنا فاسقا وعلى يده وفى أقل من سنة سقطت الدولة العامرية والخلافة الأموية.
ودخلت الأندلس في مرحلة من التفتت والتشرذم التي سميت بعصر ملوك الطوائف، حيث كانت مساحة الأندلس حوالي 600 ألف كم مربع منها 450 ألف كم مربع فى يد المسلمين مقسمين إلى 22 دولة وبيد النصارى منها 150 ألف كم مربع مقسمين إلى أربع دول.
وصلت الأندلس تحت حكم ملوك الطوائف إلى أسوء عصورها المظلمة، وصلت إلى مرحلة من التفتت والتشرذم والمولاة للنصارى ودفع الجزية لهم في ذلة ومهانة والاستعانة بهم ضد الممالك الإسلامية الأخرى وربما يستعين أحدهم بمملكة نصرانية فيستعين الآخر بالمملكة النصرانية الأخرى.
ظل هذا التفتت في الأندلس حتى سقطت طليطلة في يد ملك قشتالة الفونسو السادس سنة 487 فكان سقوط طليطلة كالصاعقة على العالم الإسلامي أجمع من بغداد إلى الأندلس مرورا بدمشق والقاهرة وإفريقيا والمغرب العربي، كان سقوط طليطلة إنذار بقرب سقوط الأندلس جمعاء.
وكانت خطة الفونسوا بعد سيطرته على طليطلة هي السيطرة على إشبيلية وكان يحكمها المعتمد بن عباد الذي أرسل إليه ألفونسو رسوله لتحصيل الجزية بعد تأخر المعتمد عن موعد الدفع وكعقاب للمعتمد طلب ألفونسو أن يتسلم بعض الحصون فوق الجزية وأن تلد امرأته في مسجد قرطبة حيث أن القساوسة أشاروا عليه بنقاء الهواء في هذا الجامع، فغضب المعتمد بن عباد وقطع رأس رسول ألفونسو وصلبه بقرطبة واعتقل بقية الوفد.
فحاصر الصليبيون اشبيلية حصارا شديدا خلاله عرف المعتمد بن عباد فداحه جرمه وخطأه فى دفع الجزية إلى ألفونسو وقتاله للممالك الإسلامية وأيقن أنه لا طاقة له بألفونسو إلا بالاستعانة بدولة المرابطين في المغرب العربي وقائدهم يوسف بن تاشفين.
حينها عاتبه البعض قائلين له إن الملك عقيم والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد؛ قصدًا منهم بأنه لو استعان بالمرابطين وأدخلهم إلى الأندلس لن يخرجوا منها وسيضمها ابن تاشفين إلى مملكته، وهنا كان رد المعتمد بن عباد الذي سجله التاريخ حيث قال:
إن رعي الجمال خير من رعي الخنازير
قصدًا منه بأنه إذا أخذها المرابطون خير من أن تسقط في يد النصارى.
وبالتعاون مع مملكة بطليموس ومالقة أرسل المعتمد إلى أمير المرابطين يوسف بن تاشفين يستنجد به ضد ألفونسو ومما زاد في الأمر أن أرسل ألفونسو رسالة إلى يوسف بن تاشفين خاطبه فيها بكل وقاحه متمنيًا لو كانت له سفن لعبر بها البحر لقتاله في أرضه.
فما كان من يوسف بن تاشفين إلا أن قلب الرسالة وكتب على ظهرها “لا كتب إلا المشرفية والقنا ولا رسل إلا بالخميس العرمرم” ثم عبر يوسف بن تاشفين إلى الأندلس ثم أرسل إلى ألفونسو يخيره بين الإسلام، أو الجزية، أو الحرب، ثم جمع حوله الجند وسار بهم إلى الزلاقه -حيث عسكر بها جيش ألفونسو-.
وبعد صلاة فجر يوم الجمعة 12 من رجب سنة 479 بدأ الفونسو بالهجوم غادرا بما اتفق عليه مع ابن تاشفين بأن يكون القتال يوم الاثنين وصدم جيش المسلمين وفوجئ وانحط عليه جيش الفونسو بجنود تملأ ما بين السماء والأرض وصمد الجيش الأندلسي في هذه المعركة صمود الأبطال.
حتى إذا ما أنهك الطرفين ظهر يوسف بن تاشفين ببقية جيش المرابطين فنزل من خلف جيش الفونسو إلى معسكره فحرقه عن بكرة أبيه وقتل من فيه وعندما علم جيش الفونسو بأنهم محاصرون، وأن جيش المرابطين خلفهم، رجعوا قاصدين معسكرهم، فكان الالتحام مع جيش المرابطين.
وما زالت المعركة هنا وهناك حتى قبيل المغرب أشار الأمير يوسف بن تاشفين إلى أربعة آلاف مقاتل مهرة من بلاد السودان وهم حرسه الخاصة في مهمة خاصة فترجلوا ونزلوا إلى قلب الجيش النصراني فاقتحموه وطعن الفونسو في قدمه وأبيد جيش الفونسو عن بكرة أبية وهرب من المعركة هو وخمسمائة من رجالة فقط كلهم مصابين ماتوا في الطريق ولم يصل منهم إلى طليطلة غير مائة.
وعلى رغم من كثرة الغنائم وعددها الذي لا يُحصى، رحل يوسف بن تاشفين بجنده إلى المغرب دون أن يأخذ منها شيئًا، تكرر عبور ابن تاشفين إلى الأندلس ثانيةً سنة 481 ولكن هذه المرة هاله ما رأى من التناحر بين الممالك الإسلامية والموالاة للنصارى؛ فعاد إلى إفريقيا.
حتى جاءته الرسائل من كامل أقطار الدول الإسلامية تطالبه بحتمية العبور وتوحيد الأندلس فكان عبوره الثالث سنة 483 بغرض توحيد الأندلس، وتوفي يوسف بن تاشفين عن عمر يناهز المائة عام سنة 500 بعد أن وحد الأندلس، وضمها تحت راية المرابطين، ووضع حدًا لمهزلة ملوك الطوائف.
أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي
بعد موت ابن تاشفين بعام واحد دارت معركة اقليش التي لقبت بالزلاقة الثانية بين المسلمين في الأندلس تحت راية المرابطين وبين جيش الفونسو الذي لم يعد قادرا على قيادة الجيش فأرسل ابنه الذي قتل في المعركة هو و23 ألف من جنوده وانتصر المسلمين ومات الفونسو حزنا على وحيده بعدها بعشرين يوما.
وسرعان ما دار الزمان وسقطت دولة المرابطين في المغرب على يد دولة الموحدين والتي قامت بدورها بالسيطرة على الأندلس لتصبح الأندلس تابعة لدولة الموحدين، وكانت الأندلس تمتلك القدرة والمهارة والقوة العسكرية ولكن كان ينقصها القيادة الحازمة التي تقبض على الجيش قبضة محكمة، حتى وصل أبو يوسف يعقوب المنصور إلى الحكم والذي كان رجل حازما موهوبا في شؤون الإدارة والحكم فأصبحت جيوش الموحدين في أيامه قوة ضاربة.
ودارت بينة وبين مملكة قشتالة وليون ونافار معركة من أشد معارك الأندلس وهي معركة الأرك الخالدة، حيث أنه في التاسع من شهر شعبان سنة 591 بالقرب من حصن الأرك على الحدود ما بين الأندلس وقشتالة دار رحى الحرب التي أسفرت عن نصر ساحق للمسلمين وأخذ من في حصن الأرك من زعماء النصارى 24 ألف أسير.
ثم في عام 595 لقي المنصور ربه عن عمر لم يتجاوز الأربعين عاما، فخلفه ابنه الناصر الذي كان شابا طموحا قويا ولكنه لم يكن بالذكاء والكفاءة مثل والده، وبعد موت المنصور أرسل البابا رسالة إلى مملكة نافار يحضها على نبذ المعاهدة التي وقعتها مع المسلمين ونبذ الخلاف مع دولة قشتالة والتوحد في قتال المسلمين.
وبهذا توحدت الدول الأوروبية وبلغ عدد جيشها حوالي 200 ألف مقاتل يتقدمهم الملوك والرهبان لقتال المسلمين، ودخل الناصر الأندلس بجيشه وكان لقائه بالجيش الأوروبي في موقعة العقاب سنة 609 التي كانت بالفعل عقابا على المسلمين.
حيث نتيجة لسوء التخطيط واتخاذ القرارات السيئة كانت الهزيمة النكراء لأكبر جيش إسلامي عرفته الأندلس، ثم توالت الهزائم حيث دخل جيش النصارى إلى مدينتي بياسة وأبذة وقتلوا أهلها وسبوا من النساء والصبيان ما ملئوا به بلاد الروم قاطبة، فكانت هذه أشد على المسلمين من الهزيمة.
مات الناصر سنة 610 وتولى من بعدة ابنه المستنصر بالله وعمره 16 سنة ومن جديد وكما حدث في عهد ملوك الطوائف ضاعت الأمانة ووسد الأمر إلى غير أهله، وتوالت الهزائم على المسلمين بعد سنوات طويلة من العلو والتمكين لدولة الموحدين.
وكما يقول المؤرخون انه بعد موقعة العقاب لم يرى في الأندلس شابا قادرا على القتال، حيث أنه في سنة 626 سقطت جزيرة ميورقة وبياسة من جزر البليار وفي العام التالي استقل الحفصيون بتونس عن دولة الموحدين وفى سنة 633 كانت المأساة الكبرى بسقوط قرطبة حاضرة الإسلام في الأندلس.
وفي سنة 635 استقل بنو الأحمر بغرناطة بعد موت ابن هود في السنة نفسها، وفى سنة 636 وبعد حصار دام خمس سنوات سقطت بلنسية على يد مملكة أراجون بمساعدة فرنسا.
وفي سنة 641 سقطت مدينة دانية وفى سنة 643 سقطت مدينة جيان، وفى سنة نفسها وقع ابن الأحمر في غرناطة معاهدة الخزي مع ملك قشتالة الذي تحرك بناء عليها الجيش الغرناطي مع الجيش القشتالي لحصار مدينة اشبيلية، وبعد 17 شهر سقطت مدينة اشبيلية سنة 646 ولم يبقى للمسلمين في الأندلس غير مدينة غرناطة التى يحكمها بنو الأحمر.
أبو يوسف يعقوب المنصور المرينى
لم يؤسس ابن الأحمر مدينة غرناطة على التقوى بل أسسها على وعد من صليبي لا عهد له ولا أمان، ولقد فاتح النصارى بنو الأحمر وبدؤوه بالعدوان وغزوا أراضيه سنة 660، وفى سنة 761 مات محمد ابن الأحمر الأول وتولى من بعد ابنه محمد الفقيه الذي استعان بالمنصور المريني ملك دولة بني مرين في المغرب؛ التي قامت على أنقاض دولة الموحدين.
فعبر إلى الأندلس سنة 674 وهناك بالقرب من قرطبة كانت موقعة الدينونية بين المنصور المريني وغرناطة من جهة ضد قشتالة من الجهة الأخرى، وبهذه القيادة الربانية وهذا العدد الذي لم يتجاوز 10 ألاف مقاتل كان النصر للمسلمين الذي استعاد فيه المسلمين ذكريات الأمجاد في الأندلس.
وفى سنة 677 يحاصر المنصور المريني اشبيلية حصار شديد ثم يصالحهم على الجزية، ثم تنازل حاكم مالقة عن بلاده إلى المنصور المريني نكاية في خاله حاكم غرناطة فخشي محمد الفقيه من أن يسيطر المنصور المريني على غرناطة فتآمر علية وخانه واتفق مع الفونسو العاشر على قتال المنصور المريني وطرده من الأندلس، وبالفعل يأتي ملك قشتالة بجيوشه وأساطيله لمحاصرة طريف.
ولم يستطع المنصور العبور لنجدتهم؛ بسبب اضطرابات في بلاد المغرب، فاشتد الحصار على المسلمين هناك قتلوا صغارهم خشية عليهم من معرة الكفر، واستطاع ابن الأحمر -في ظل هذه الكوارث- السيطرة على مالقة.
ولكنه عندما رأى ما وصل إليه حال المسلمين في طريف، واستعداد النصارى لأخذها، وليس فقط طرد المرينيين منها؛ ندم على ما فعل، وسحب أسطوله وجعله مدد لجيش المسلمين، ونشبت معركه عظيمة بين الأسطول الإسلامي والنصراني كان النصر فيها للمسلمين واستولى المسلمون على سفنهم، ونزلوا طريف؛ ففر منها النصارى.
فعاد النصارى وتحالفوا مع بنى أشقيلولة في مالقة ضد ابن الأحمر ولكنه استطاع أن يردهم عن غرناطة، وإذا بابن الأحمر يستقبل رسالة من أبي يعقوب المنصور المريني يجدد فيها الرغبة في الصلح ويحذره من خطورة انفصال هذا التحالف على المسلمين في الأندلس.
والله نعم الرجل كان أبو يعقوب رغم خيانة هذا الغادر إلا أنه لا يفكر في الانتقام بل يفكر كيف يحافظ على المسلمين في الأندلس ، بعد هذه الواقعة بعام واحد مات المنصور المريني عليه رحمة الله.
فارس غرناطة موسى بن أبى غسان
ثم يعود ابن الأحمر ثانية؛ ليتحالف مع مملكة قشتالة ضد المرينين والمسلمين في طريف على شريطة أن بعد سقوط طريف يتركها النصارى له مقابل ستون حصنا يتركها ابن الأحمر لهم وبالفعل تسقط طريف ولكن بعد أن استولى عليها النصارى لم يعيدوها له، وبهذا السقوط لمدينة طريف يكون ابن الأحمر قطع بيده أخر خطوط الاتصال بينه وبين الحائل الوحيد لسقوطه وهم المسلمين في بلاد المغرب.
وفى سنة 709 يسقط جبل طارق في يد النصارى وتترك غرناطة لمصيرها المحتوم نتيجة الخيانة والغدر والمولاة للنصارى وحب السلطة والمنصب .
ظلت غرناطة تترنح ما بين الصراعات الداخلية تارة والخيانة وموالاة النصارى تارة وبين الذل والخضوع ودفع الجزية تارة أخرى وظل الوضع هكذا من سيء إلى أسوء، وفى عام 1489 م – 895 هـ، وحسبما تشير بعض الوثائق أنه قد تم صلح جديد بين حاكم غرناطة حينها (أبو عبد الله الصغير) وبين ملكي أسبانيا الموحدة (مملكة قشتالة ومملكة أراجون) الملك فرناندو وزوجته الملكة إليزابيث.
وعلى الرغم من أننا لا نعرف يقينا بنود هذا الصلح، ولكن الرواية الإسبانية تؤكد أن أبي عبد الله الصغير قد تعهد بتسليم غرناطة لهم، وعلى كل حال ففي بداية عام 1490 م – صفر 895 هـ أرسل الملكان الكاثوليكيان إلى السلطان أبي عبد الله رسولًا؛ ليخاطبه في تسليم قصر الحمراء مقر الملك والحكم في غرناطة، وما كان من أبي عبد الله الصغير إلا الرفض.
وعندما علم ملك قشتالة بامتناع الأمير عبد الله عن التسليم حتى ذهب إلى غرناطة وحاصرها وبرز له المسلمون واستطاعوا رده عن المدينة، وبدأت غرناطة في غزو المدن المحيطة بها ومساعدات الثوار المسلمين فيها؛ فعادت جيوش فرناندو لمحاصرة المدينة مرة أخرى ولكن رده الله دون أن ينال منها شيء.
وعادت غرناطة إلى غزواتها مرة أخرى فعاد الطاغية فرناندو للمرة الثالثة وكله تصميم هذه المرة ألا يعود قبل دخول غرناطة، ولكن غرناطة لم تستسلم إلى هذا الحصار بل قاومت أشد المقاومة بل برزت حركة مقاومة شديدة على رأسها رجل يسمى موسى بن أبى غسان.
وطيلة سبعة شهور ضرب لنا هذا القائد ورجاله أروع الأمثلة في الصمود والاستماتة في الدفاع عن غرناطة سبعة أشهر دار فيها القتال في كل الاتجاهات واستشهد من المسلمين الكثير وقتل من النصارى أضعافهم، وما زالت الحرب متصلة حتى فنيت خيل المسلمين ولم يبقى منها غير القليل.
واستبسل موسى ابن أبى غسان وجنده والمسلمين داخل المدينة استبسال الأبطال دفاعا عن المدينة قائلا لأصحابه “لكي يعلم ملك النصارى أن العربي قد ولد للجواد والرمح” ولكن البسالة وحدها لا تكفي في هذا الموقف فالمدينة محاصرة وخطوط الإمدادات مقطوعة.
وتساقطت الثلوج فقطعت طريق البشرة التي كانت تأتي عن طريقة الأطعمة ، فقلت الأطعمة في المدينة وانتشر الجوع وكثر السؤال، ولم يكن أمام الغرناطيين إلا التسليم، فذهب جمع منهم إلى أبو عبد الله الصغير يطالبوه بأن يفاوض ملك قشتالة على التسليم بالأمان، وكان هذا ما يريده أبو عبد الله الصغير هو ووزرائه فسارع إلى ملك قشتالة يفاوضه على التسليم مقابل الأمان.
وفى رد فعل طبيعي للقائد الغيور موسى بن أبى غسان وقف في قصر الحمراء أمام أبي عبد الله الصغير ووزرائه وكبار القوم صادحًا بالحق، قائلًا لهم:
لا تخدعوا أنفسكم، ولا تظنوا بأن النصارى سيوفون بعهدهم، ولا تركنوا إلى شهامة ملكهم، إن الموت أقل ما نخشى فأمامنا نهب مدننا وتدميرها، وتدنيس مساجدنا، وتخريب بيوتنا، وهتك نسائنا وبناتنا، وأمامنا الجور الفاحش والتعصب الوحشي، والسياط والأغلال، وأمامنا السجون والأنطاع والمحارق، هذا ما سوف نعاني من مصائب وعسف، وهذا ما سوف تراه على الأقل تلك النفوس الوضيعة التي تخشى الآن الموت الشريف، أما أنا فوالله لن أراه
وخرج موسى من المجلس وذهب إلى بيته ولبس سلاحه وامتطى جواده وانطلق يقابل سرية من سرايا النصارى، حوالي خمسة عشرة رجلا فقاتلهم قتال من يريد الشهادة لا يريد سواها، فقتل معظمهم قبل أن يقتل شهيدًا في سبيل الله، نعم الرجل كان أبى موسى الذي كان من أبرز كلماته:
اتركوا العويل للنساء والأطفال؛ فنحن لنا قلوب لم تخلق لإرسال الدمع ولكن لتقطر الدماء.
وبعد التسليم بأيام يدخل الملكان الكاثوليكيان قصر الحمراء بغرناطة في خيلاء ومعهم الرهبان وكان أول عمل لهم هو تعليق صليب فضي كبير فوق برج القصر الأعلى في إشارة إلى أن غرناطة أصبحت تابعة إلى المملكة الكاثوليكية وانتهاء حكم المسلمين في الأندلس.
ويخرج أبو عبد الله الصغير من القصر الملكي ذليلًا منكسرًا حتى إذا وصل إلى ربوة عالية تطل على قصر الحمراء تطلع إليه بأسى وحزن شديد لم يستطع معه أن يمسك دموعه، فانهالت حتى بللت لحيته، حتى قالت له أمة عائشة الحرة كلماتها التي ما زالت خالدة:
أجل، فلتبكي كالنساء ملكًا لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال.
قضايا غيَّرت وجه تاريخ أمتنا الإسلامية
وقد تم التسليم في 2 ربيع الأول سنة 897 هـ الموافق 2 يناير 1492م.
سقطت دولة الأندلس بحضاراتها وأمجادها وتاريخها، ولم يفي النصارى بوعدهم -بالطبع-، بل أخلف البابا نفسه وعده الذي وقع عليه، وبدأ تهجير المسلمين من أرضهم وقتلهم وتشريدهم وإجبارهم على اعتناق النصرانية، وبعد اعتناقها يلقبونهم بالمورسكي كمواطنين درجة ثانية لا حقوق لهم.
حولت مساجد الأندلس إلى كنائس، نصبت محاكم التفتيش فمن يقبض عليه مسلمًا عقوبته القتل والتعذيب حتى الجنون، من يتوضأ ويتطهر فهو مسلم وجب قتله، من لا يشرب الخمر فهو مسلم، من لبس ثيابًا نظيفة يوم الجمعة فهو مسلم، من توجه ناحية الشرق في صلاته فهو مسلم وجب قتله.
بلغ ما وقع على المسلمين من قتل واضطهاد بعد سقوط الأندلس ما لم تعرفه البشرية في تاريخها، ولم تتوقف محاكم التفتيش عن أفعالها الإجرامية هذه حتى دخلت جيوش نابليون بونابرت أسبانيا، فهالهم ما وجدوا بل أنهم صدموا من شدة ما رأوا من أصناف التعذيب.
وما زال يوم الثاني من يناير هو يوم العيد لدى الأسبان؛ فيقيمون الاحتفالات ويرفعون الرايات ويجوبون الساحات حاملين راية المسلمين التي ظفروا بها بعد الهزيمة في موقعة العقاب في مسرحية تمثيلية حقيرة يستهزئون فيها بعبد الله الصغير.
ولست أجد ما أختم به مقالي هذا خير من عدة أبيات من قصيدة أبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس:
يا من لذلة قوم بعد عزهم أحال حالهم كفر وطغيان
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم عليهم من ثياب الذل ألوان
ولو رأيت بكاهم عند بيعهم لهالك الأمر واستهوتك أحزان
يا رب أم وطفل حيل بينهما كما تفرق أرواح وأبدان
لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان
ويحدّثونك عن تشويه الإسلام!
كتبه: نورالدين الجزائري
ذهبت الى الغرب فوجدت اسلامًا ولم اجد مسلمين، مقولة نُسِبت الى محمد عبده عندما زار بلاد الغرب عند بداية القرن العشرين، تأثّر بها بعض الأتباع من العلمانيين والزنادقة حينها، ثم نسختها الأجيال المتعاقبة من ذلك الإرث الفكري والمنهجي للطعن في الثّوابت ومعتقد الأمة، فمنهم من اراد بالمقولة دين الله جملة وتفصيلا، ومنهم من اراد بالمسلمين طعنا وتشهيرا، ولازال القوم على هذه المقولة يتغنّنون، وعلى اوتارها يرقصون، فحصروا مفهوم الإسلام في البناء والتعمير، والصناعة والتصدير، والرقي والتزيّين، وأهملوا مقوّمات ومادة الخام لما يحلمون، فكيف بتهميش عنصر الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، عنصر الحياة هو ذلك المسلم الذي ابدع حينما سُيِّس بسياسة شرعية حكيمة، ولم يكن في يوم من ايام تحت حكم اشتراكية ولا علمانية ديمقراطية ناهيك عن حكم الجبر الذي قضى على روح وجسد هذه الأمة جمعاء ..
بعد ان دمّروا مقوّمات هذا الدّين وهو الإنسان، خرجوا علينا بمقولة تشويه الإسلام، عبارة او تسويق سياسي يُراد منه دين الله وحملته وحُرّاسه، منظومة متكاملة تُسمى بالعقيدة التي حفظت المسلمين من التغريب والتنصير والتهويد، فالمقولة مدروسة وبعناية بعد ان افرغوا عقول المسلمين من ابسط التفكير والمنطق لِمَا وصلوا اليه من حضيض، ارادوا بالمقولة حصر فئة معيّنة في الأمة من عاهدت الله على حفظ العقيدة، فئة كانت ولا تزال تنتفض لكل ما هو عكس مقاصد الشريعة، فئة مقاتلة، تارة بالبيان وتارة بالسنان لأجل بيضة الإسلام، فهي الحصن الحصين ومفاتيح ابواب الأمة من كل رياح التغيير، فما اصاب المسلمين اليوم من ضعف فالأمر فقط من تيارات هوائية داخلية مصدرها الجهل بالتوحيد واصحاب مقولة محمد عبده الزنادقة اللّئام، فمن حكم ويحكم بعد سقوط منارة وقلعة العلم والنور الأندلس ومن بعدها خلافة المسلمين ..! فهل بلاد الاسلام حُكِمت بالشريعة ام بمخلّفات أفكار الغرب والشرق منذ عشرات السنين!
فهل حملة الإسلام من الشيخ محمد بن عبد الوهاب الى الشيخ عبد الحميد بن باديس مرورا بالطاهر بن عاشور وعبد الكريم الخطابي رحمهم الله جميعا من شوّهوا الإسلام أم من ركِب ثوراتهم العلمية والنهضوية وحكم البلدان من بعدهم بسياسة الاستدمار ودين رهبان الصحوات المزيّنين لأفعالهم وطغيانهم على المسلمين ..!
من افشى الفقر والأمراض والأمية وارسى الضعف والتخلّف والانهزامية في نفوس أبناء الأمة..!
من سخّر اموال المسلمين واودعها في ايادي الغرب باسم الاتفاقيات والمعاهدات وتحت مسمّيات عدّة سحر بها ابناء الملّة..!
من ورّث الحكم للأبناء والأحفاد من الجهلة واحتكر السياسة ومقدّرات الأمة باسم المصلحة والمنفعة واصبغ على فعلته صبغة شرعية مطلقة..!
من اهمل العقيدة والعمل بالسنّة وانسلخ منهما ونادى بحرّية العقل في الإبداع وسجن النص إلّا لأغراض شخصية واتّهم من نادى بهما بالرجعية واصحاب الكهوف وبالظّلامية..!
من سرق خيرات المسلمين الباطنية والظاهرة وأودعها في بنوك الغرب له ولحاشيته ورمى بفتاتها على من في حضيرته من الرعيّة..!
من حصّن نفسه بالعلمانيين والليبيراليين ومستشارين غربيين في إدارة بلاد المسلمين..! فهل الإسلام أمر بكل هذا أم على الله تفترون وتكذبون، فبالله عليكم من أدار ظهره للإسلام وقزّم دوره وحارب المصلحين وقتلهم وسجنهم ونفاهم من دائرته وزريبته، وألصق فشله فيهم بحجة تشويه الدّين ..!
وللأسف فقد انساق الكثير من المسلمين اليوم وراء فرية أنّ جماعة او عالم او طالب علم يريد الحفاظ على مقاصد الشريعة من اصحاب تشويه الدّين، فقد استحكم في الكثير افكارا مغلوطة وانساقوا عاطفة نحو تكرار سياسة مُحكمة أدّت بالكثير الى ان اصبحوا من أعوان الظالمين، فلا للوحيين احتكموا، ولا للعقل والمنطق جلسوا يميّزون بين المصلح والمفسد، وبين العميل والمخلص، وبين اهل الحل والعقد وجموع من يتصدّرون الحياة السياسية مدعومين غربا وشرقا من أمم الكفر قاطبة، فغُرِس في فكر ومنطق أبناء الأمة أن من يريد التغيير إنما شخص او أشخاص يريدون بالبلاد والعباد الخراب المطلق، وإسالة دماء الأبرياء، والسطو على مقدّرات الأوطان، وهلك الحرث والنسل، وبذلك دغدغوا عاطفة البسطاء وألغوا عنهم العقول، فعطّلوا لهم بذلك فهم التحليل وما يحاك لهم، نتج عن ذلك الهواجس والمخاوف، واختاروا السلم والاستسلام لنزوات الظالمين، فاصبحوا عبيدا من دون أغلال ولا أوثقة حتى تنكّروا بذلك للعقيدة وحملتها، وساروا في زمرة الصحوات وبتفاوت، همّهم الأكل والشراب وأكرمكم الله، فلا فرق بين الحاكم والمحكوم في تشويه دّين اللّه والعبث به ايمانا وقولا وفعلا، فكيف تُنسب المقولة الى من أراد إرجاع أبناء الأمة الى السيادة في الحكم والسياسة والحفاظ على الدّماء والأموال والأعراض، وإرجاعهم الى الفهم الصحيح لمقولة محمد عبده أن في بلاد الغرب سرقة لحضارة المسلمين بحد السيف والقهر، وأن في بلاد الإسلام مسلمين في سجون، لا العمل بالعقيدة ولا بنهج ومنهج المصلحين والعلماء ممّن انار درب الإنسانية عدّة قرون ..
وكلامي الأخير موجه الى أهل العلم ممّن انساق وراء مقولة أن جماعة بعينها تشوّه الدّين، أين الإنصاف بميزان الحق والعدل في الخلاف مع الآخر في ميزان العلم والشرع والتبيان، فهل خلافكم مع من اردتم بهم فرية في العقيدة ام فما وصلتم اليه من مناصب وشهرة بين المسلمين، فلقد نافحتم عن ساداتكم فأين انتم اليوم من إمتيازات البارحة بعد أن صوّغتم الكذبة وغرستموها في عقول السذج من المسلمين، اين انتم يا سدنة آل سعود والمحتكرين للسلفية ومفهومها من السجون اليوم، فسيف الباطل الذي ضربتم به أهل الحق انقلب عليكم بغير ما كنتم تشتهون وتتوقّعون، فإنّه وربي عدله الذي اصابكم، وإنّ ربي يدافع عن الذين آمنوا ولو بعد حين
النظام السعودي يستعين بخبراء مصريين وإماراتيين ويستخدم أساليب وحشية لتعذيب العلماء والمشايخ
نشر موقع “معتقلي الرأي” المعني بنشر قضايا المعتقلين في سجون النظام السعوي، تقريرا كشف فيه عن الانتهاكات التي يتعرض لما المعتقلين وأساليب التعذيب “البشعة” التي يلجأ لها النظام السعودي لنزع اعترافات “كاذبة” من المعتقلين
واستعرض التقرير صوراً تفصيلية لمايجري خلف جدران الزنازين بمعتقلات “آل سعود”، من أعمال وحشية يخفيها النظام
وفيما يلي نص التقرير الذي نشره موقع “معتقلي الرأي”
أولاً: الضرب
يتعرض المعتقل على يد من يسمي نفسه “محققاً” وعلى يد معاونيه من الجلادين للضرب بشتى أنواع الوسائل المتاحة من سياط وعصي حديدية وخشبية عليها مسامير، وذلك على مختلف أنحاء الجسم بدءاً من الرأس إلى الظهر إلى الذراعين والساقين، ولا تُسثنى بالطبع المناطق الحساسة في الجسم. كما يلجأ المحقق وأعوانه إلى الصفع على الوجه وإلى الركل بالأحذية. وقد وثقت شهادات لبعض المفرج عنهم أن آثار التعذيب بالضرب بقيت على أجسادهم شهوراً طويلة تشهد على ما قاسوه من تنكيل لأيام طويلة داخل السجن.
ثانياً: الصعق بالكهرباء
تعد هذه العملية من أبشع ما يمكن للعقل أن يتصوره من تعذيب وتنكيل، حيث يتم ربط جسم المعتقل بأسلاك كهربائية إلى مصدر للكهرباء القوية ثم يتم تشغيل أقصى طاقة للكهرباء لتمر عبر جسم المعتقل مسببة له آلاماً وحروقاً لاتطاق. وتتكرر هذه العملية مرات عديدة حتى يفقد المعتقل وعيه. فإذا مافقد وعيه، تتم إعادة العملية مرات ومرات حتى لايبقى في الجسم احتمال. ومما قد يزيد من وحشية استخدام هذه الآلية سوءاً هو رش المعتقل بالماء ليصبح جسمه ناقلاً ومستقبِلاً للكهرباء فتتضاعف الآلام والحروق.
ثالثاً: التعليق
يتم في هذه الطريقة تقييد يدي المعتقل وقدميه، ثم تعليقه إما من اليدين أو مقلوب الرأس (أي تعليقه من القدمين) لساعات طويلة من دون توقف. وفي الغالب يُصار إلى تعليق المعتقل بعد نزع ثيابه إمعاناً في الإذلال كما يتم رشه بماء مثلج أو إلقاء أوساخ عليه وتركها تسيل على أنحاء جسمه. ولا يتم بالطبع كما هي الحال في شتى وسائل التعذيب إنزال المعتقل من أجل قضاء حاجته مثلاً أو شرب الماء .. ما يزيد من معاناة المعتقل وآلامه ويحفر صوراً بشعة مذلة في ذاكرته لا تمحوها السنين حتى بعد الإفراج عنه، إن كان الحُكم الجائر بحقه لسنوات معلومة.
رابعاً: خلع الثياب
يجبر المعتقلون وفق كثير من شهادات المُفرج عنهم على خلع ثيابهم، تحت التهديد والصراخ والشتائم، وفي الغالب يتم إجبار مجموعة من المعتقلين على خلع الثياب أمام بعضهم البعض .. وتخيل المشهد كفيل بحد ذاته بأن يصف حجم الإهانة التي يتسبب بها السجانون للمعتقلين، وهم الذين لطالما ظهروا بأبهى صورهم على وسائل الإعلام وأمام متابعيهم على وسائل التواصل الاجتماعي.
خامساً: المنع من النوم
يتفنن السجانون في ألوان التعذيب، ومن بين ذلك وضع المعتقلين في زنازين قريبة من غرف التعذيب ليسمعوا صراخ من يتعذب بجوارهم على مدار الساعة ما يمنعهم من النوم. ويُصار أيضاً إلى وضع المعتقل في غرفة فيها إضاءة متحركة أو مصدر صوت متكرر برتابة تكسر الصمت وتنبه اليقظ وتمنع النوم، مثل مصدر ماء يخرج منه قطرات ماء متكررة كل بضع ثوانٍ بشكل ينبه الجهاز العصبي ويمنع النوم لأيام متتالية.
وقد سبق وأشرنا في تقرير آخر إلى أن المحققين في السجون السعودية قد استعانوا بخبراء “أمنيين” مصريين وإماراتيين استقدموا كمستشارين في فنون التعذيب أثناء التحقيق مع المعتقل.
سادساً: الإيهام بالغرق
ويتم في هذه الطريقة غمر رأس المعتقل في الماء حتى يقارب على الاختناق ثم يتم إخراج رأسه بعنف، فلا يكاد يتنشق الهواء حتى يتم غمر رأسه مجدداً في الماء وهكذا حتى يفقد المعتقل وعيه. وفي الغالب يُستخدم ماءٌ مثلج ومتسخ في الوقت ذاته من أجل زيادة الألم.
سابعاً: إطفاء السجائر في الجسم
وهذه طريقة بشعة أخرى يعمد فيها السجان أو المحقق – أياً كان اسمه – إلى إحراق أجزاء من جسم المعتقل، بما فيها المناطق الحساسة، من خلال إطفاء سيجارة مشتعلة فيه، وهذه الطريقة بالطبع تترك آثاراً دائمة على الجسم، لاتمحوها السنون ولا أية جراحة مستقبلاً، وذلك أيضاً من باب الإمعان في الإذلال والإجبار على الاعتراف بتهم وجرائم لاعلاقة للمعتقل بها بأي شكل من الأشكال.
ثامناً: الإهمال الصحي المتعمد
بعد كل ما يتعرض له المعتقل من ضرب وتنكيل وإحراق وصعق بالكهرباء، وبعد تحصيل الاعترافات بالتهم الباطلة، يُلقى المعتقل في زنزانة خالية من جميع شروط التهوية والإضاءة ودخول الشمس، ما يزيد في تقرح الجروح وتفاقم الحروق والكسور التي تنجم عن تلك الوسائل البشعة من التعذيب.
ولا يتلقى المعتقل أي نوع من الأدوية ولاحتى المسكنات، ولا يُسمح لطبيب السجن أن يكشف على المعتقل ويداوي جروحه، وهو أمر لطالما تسبب بإعاقات دائمة لدى البعض من قبيل بتر ذراع أو ساق أو تشوه دائم أو حتى شلل في بعض مواضع الجسم، وخاصة لدى من تعرض لضرب وحشي على الظهر حيث العمود الفقري والنخاع الشوكي -مركز الجهاز العصبي في الجسم.
وأشار التقرير في النهاية إلى أن ما تم ذكره هو صور على سبيل المثال لا الحصر، مضيفا “وجب التذكير بأن هذه ليست إلا غيضاً من فيض فنون التعذيب في السجون السعودية التي عانى منها عشرات الدعاة والمفكرين والحقوقيين أثناء اعتقالهم”.
كما أشار التقرير إلى استخدام بعض أنواع المخدرات أيضاً على المعتقلين من أجل إدخالهم في حالة أشبه باللاوعي، من أجل تكرار اعترافات تتلى مسبقاً على المعتقل، ثم تسجيلها بالصوت والصورة للمعتقل، وكأنه هو الذي ارتكب الجريمة التي ترد تفاصيلها في تلك الاعترافات.
مدون سوري يروي جانباً من رحلته إلى فرع فلسطين “235”
كتبه: محمد الأسطة
سوريا دولة الممانعة، وقلعة الصمود والتصدي، متمثلة بآل الأسد، كما كان يسوقها الإعلام السوري، حملت همّ الفلسطينيين والقضية الفلسطينية على عاتقها، وادعت أنها الحاضنة الرئيسية للمقاومة.
فمن شدة ولع الأسديين بفلسطين أطلقوا اسم هذا البلد الرائع على أبشع وأقسى وأخطر الفروع الأمنية في سوريا، حيث لا يوجد سوري لا يعلم ما هو الفرع 235 “فرع فلسطين”.. لا أدري ربما هي سياسة ممنهجة من قبل السلطات البعثية بربط اسم فلسطين مع الفرع 235 لخلق حالة من الفوبيا اللاإرادية لدى السوريين، فبذكر اسم فلسطين لدى أي عربي يتذكر آلام الشعب الفلسطيني وأرض فلسطين المحتلة، بينما عندما يُذكر اسمها عندنا في سوريا فلا نتذكر إلا الندبات التي على أجسادنا والإهانات المكنونة في دواخلنا من السجانين في ذلك الفرع سيئ الذكر.
بعد حوالي ثلاثة أشهر من انطلاق ثورة الكرامة في سوريا وبعد حوالي شهرين من أول استدعاء لي إلى فرع أمن في مدينة حماة، وتحديداً في شهر يونيو/حزيران من العام 2011، وأثناء عودتي من مدينة طرابلس اللبنانية؛ حيث أدرس، إلى سوريا في الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم المشؤوم عند وصولي إلى الحدود السورية التي لم أكن أعلم أن حرس الحدود ينتظرونني كما ينتظرون الكثيرين من أبناء سوريا الأحرار بفارغ الصبر، وأن تلك الليلة ربما قد تكون الأخيرة التي أرى فيها نجوم السماء وضوء القمر في ليلة صيفية جميلة على أنغام السيدة أم كلثوم، وهي تغني الأطلال، مطلقةً من حنجرتها الذهبية قائلة: أعطني حريتي أطلق يديَ إنني أعطيت ما استبقيت شيئا.
بعد أن خرجت من لبنان رسمياً، توجه السائق باتجاه الحدود السورية نقطة “الدبوسية” وعند أول “سم” من الأراضي السورية هناك سياج حديدي يشقه باب المعبر، وبعد السياج بحوالي 50 سم يوجد كابينة حرس الحدود وموظف الأمن العسكري، أوقف السائق السيارة وأطل الموظف الأمني من شباكها مبتسماً ابتسامة صفراء، لا بل أظنها ابتسامة سوداء كقلوبهم المتيبسة، وقال لنا: أعطوني الهويات الشخصية.
أخذ الهويات ودخل إلى الكابينة ليقوم “بتفييش” الأسماء على الكمبيوتر، وبالفعل عاد وعلى وجهه ابتسامة أسود من التي قبلها، ونظر إليّ مبتسماً ابتسامة الذئب الذي وجد فريسته، وقال: تفضل شوي، وقال للسائق: اذهب، فأخبرت السائق أن ينتظرني، فقال له: اذهب هو سيبقى هنا بعض الوقت، سألته: ولمَ؟ قال: لا شيء إنما هناك تشابه أسماء.. وهنا بدأت المأساة.
أخذني إلى سجن عبارة عن غرفة واحدة تفوح منها رائحة كل شيء غير آدمي، جردني من كل شيء من كتبي ومحاضراتي التي كانت بحوزتي، من دخاني وحتى من حزام بنطالي، وربطات حذائي، لم يتم التحقيق معي أبداً ولم يُسمح لأحد بالرد على تساؤلاتي، طلبت منهم هاتفاً لأخبر أهلي حتى لا يقلقوا، فلم يجب أحد.
تمددت على لوح خشبي أنا والجرذان والصراصير التي شاركتني الغرفة، حتى غالبني النعاس ونمت، وعند الساعة السابعة صباحاً كما عرفت لاحقاً، فتحوا الباب وأخرجوني إلى رئيس مفرزة الأمن العسكري؛ حيث أخذوني إلى مكتبه، وقال لي: لا تخف هناك تشابه أسماء فقط، ونود أن نتأكد، لكني كنت مدركاِ أن الأمر أكبر من تشابه أسماء، وجدت على الطاولة أشيائي الخاصة أو كما يسمونها الأمانات “الهاتف، المحفظة”، وبجانبها رسالة مختومة مكتوب عليها: يسلم إلى الفرع باليد، فعرفت أنها بداية النهاية.
أتى أحد العناصر ووضع يديّ إلى ظهري، ووضع الأصفاد ووضعوني في سيارة على يميني عنصر أمن وعلى يساري عنصر أمن يحملون الأسلحة، فظننت أني مجرم من الدرجة الأولى حتى وضعوا كل هذه الحراسة لي.
تم نقلي من الحدود السورية اللبنانية إلى مدينة حمص، وتحديداً إلى فرع الأمن العسكري في حمص، هناك دخلت إلى الفرع ونزلت 16 درجة تحت الأرض، وأول شيء أشاهده حوالي 15 معتقلاً معصوبي الأيدي والعينين ينتظرون دورهم في التحقيق، وبدأت حفلة الاستقبال الصاخبة بأن أمرني المساعد الجلاد بأن أتعرى من كل شيء ليفتشني، ولك أن تتخيل إن تأخرت عن خلع ملابسك وقد انتهى من العد إلى ثلاثة ما سيحصل، سيجتمع فوقك كل جلادي الفرع عليك بأقدامهم وعصيهم وسياطهم، للعلم كل فرع تدخل عليه بسوريا هناك حفلة استقبال مشابهة قد تختلف فيها وسائل التعذيب.
بعد انتهاء حفلة الاستقبال أوقفوني على الحائط بانتظار أن يأتي دوري في التحقيق إلى جانب المعتقلين الآخرين، حالي كحالهم مكبل اليدين ومعصوب العينين، حوالي ست ساعات، لكن بعد مضي الساعة الثالثة بدأ المعتقلون حولي بالتساقط أرضاً من التعب والإرهاق، ومن يغمى عليه يحاول الجلادون إعادته لوعيه بأقدامهم وكهربائهم، فالويل كل الويل لمن يسقط أرضاً، وفوق كل ذلك نسمع من يدخل إلى التحقيق كيف يتم تعذيبه وضربه ولا نملك إلا الدعاء له ونحن نسمع أنينه في الداخل.
حالفني الحظ وخرج المحقق إلينا وبدأ بالشتم والسباب ونادى على السجانين أن يعيدوا الحيوانات إلى حظائرهم، في إشارة منه إلى أن يعيدونا إلى السجون، أدخلونا إلى الزنازين وعددها 22 زنزانة منفردة، مساحة الواحدة تقريباً لا تتجاوز المتر المربع، وهناك تعرفت إلى المعتقلين وتهمهم المضحكة المُبكية، وكيف تم اعتقالهم، وكان من بينهم طفل لم يتجاوز عمره 12 سنة تجرع من العذاب ما تجرعه الكبار، فهناك في سجون البعثيين لا يشفع لك عمرك شيخاً أم صبياً، سقيماً أم معافى، فكلنا في نصيبنا من التعذيب سواسية، وبقيت هناك حتى منتصف الليل نادوا على ستة معتقلين وأنا سابعهم، تعجب المعتقلون البقية لماذا نحن أرقام وهؤلاء لهم أسماء! لنكتشف لاحقاً أننا عبارة عن معتقلين ترانزيت.
تم نقلي يومها إلى فرع الشرطة العسكرية في مدينة حمص، وهناك أيضاً حفلة الاستقبال المعتادة التي رأينا فيها كافة تلافيف أحذية العناصر والضباط المناوبين، وأخذونا منحني الرؤوس إلى غرفة كان فيها اثنان من المعتقلين قبلنا تبدو عليهما آثار تعذيب وحشي وأشلاء لحمهما تظهر من خلال ملابسهما المدماة، وقالوا لنا أن لا نتكلم معهم وإلا ذقنا ما ذاقوه، ومن ثم دخل علينا “مساعد أول” ليتأكد من أسمائنا ويقوم بجلد كل شخص بعد أن يقول اسمه أربع جلدات بالكبل الرباعي.
بعد حفلة الاستقبال والتأكد من الأسماء بحوالي 4 ساعات تم نقلنا مع المعتقلين الاثنين بسيارة صغيرة فوق بعضنا البعض إلى سجن يدعى “سجن البالونة”.
وهناك قاموا بتعريتنا من ملابسنا للتفتيش، وبعد أن فتشونا وضعونا أمام الجدران كلنا، وأمرونا أن نقف على أطراف أصابعنا، والحارس الذي يتلذذ بتعذيبنا ونحن نتحرك كالسنبلة التي تحركها الرياح كلما فقد أحدنا توازنه قام برفسه على ظهره بقوة حتى يرتطم وجهه بالجدار بكل عنف.
بعد حفلة التعذيب بحوالي خمس ساعات أودعوني بسجن وأتوا باثنين من المعتقلين أمام سجني؛ حيث رأيتهم من خلال حفرة بالباب لا تتجاوز سم كيف يقومون بتعذيبهما بسكب الماء البارد عليهما ويقومون بتعريضهما للكهرباء حتى أغمي على أحدهما وأخذوه، والسجان يصرخ سيأتي الدور عليكم جميعاً، ولك أن تتخيل وأنت تنتظر أن يأتي دورك لتذوق ما يذوقه أبناء جلدتك من العذاب.