ما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } 112 النحل

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَمْسٌ بِخَمْسٍ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا خَمْسٌ بِخَمْسٍ؟ قَالَ:مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إِلا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ. وَمَا حَكَمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا فَشَا فِيهِمُ الْفَقْرُ، وَلا ظَهَرَتْ فِيهِمُ الْفَاحِشَةُ إِلا فَشَا فِيهِمُ الْمَوْتُ. وَلا طفَّفُوا الْمِكْيَالَ إِلا مُنِعُوا النَّبَاتَ وَأُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَلا مَنَعُوا الزَّكَاةَ إِلا حُبِسَ عَنْهُمُ الْقَطْرُ” رواه الطبراني وصححه الألباني في صحيح الجامع

عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: “اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة وأعوذ بك من أن أظْلِمَ أو أظْلَمَ” رواه أبو داود

الفاتيكان.. تاريخ مليء بالجرائم الدموية والوحشية والفساد الأخلاقي.. التاريخ الإجرامي للبابوية

د. زينب عبد العزيز

يحظى السجل البابوي برقم قياسي في الفساد والإجرام عبر القرون، فالتاريخ الحقيقي للبابوية مكون من فضائح ووحشية ومجون وفرض الإرهاب والحروب والقتل العمد بعدة أساليب ، كما يوصفون باللا أخلاقيات التى تملأ فضائحها عشرات الكتب والسجلات على مر التاريخ . والصورة التي يحفظها لهم هذا التاريخ والمؤرخون المعاصرون لا علاقة لها بما يحاولون إضفائه حاليًا على تلك الفئة التى تترأس كرسى البابوية من وقار وورع.

ولقد تم تزييف حياة البابوات بحيث إن العديد من الأتباع لا يمكنهم تصور مدى الانحلال السائد في البلاط البابوي ، منذ تكوينه ، ولا مدى الوحشية التي اتسموا بها في مواجهة خصومهم ، خاصة عندما كانت السلطة المدنية في أيديهم. وحقيقة ما عاشته البابوية من أحداث مشينة يمثل حقائق لا سابقة لها في تاريخ الأديان بأسره. فهو تاريخ ممتد عبر قرون طويلة تداخلت فيه عمليات الإتجار بنفس منصب البابوية، والفضائح والإعتداءات والتزوير والتحريف والقتل بوحشية، إلى درجة أن قام أحدهم بوضع السم فى قرص المناولة ليقتل غريما له (راجع نيكولا بولانجيه 1722ـ وكتابه المعنون “فضح المسيحية” 1759) ..

ويقول توني باشبي في بحثه عن «التاريخ الإجرامي للبابوية»: «إنه على الرغم من التلاعب في السجلات وإبادة العديد من الوثائق حتى لا تبقى هناك شهادات على ذلك التاريخ الإجرامي، فهناك العديد من مذكرات بعض البابوات التي أفلتت من الإبادة، والخطابات والتقارير المتبادلة مع سفراء أجانب في الكرسي الرسولي، ووثائق تم تجميعها من الأديرة ، إضافة على سجلات مجالس الشيوخ الرومان ومحاضر الجلسات الكنسية في لندن ، وخاصة نسخة أصلية من «موسوعة ديدرو» الفرنسية «والتي ما إن تم طبعها حتى أمر الباب كليمنت الثالث (من 1758 – 1769) بحرقها فورًا عند صدورها عام 1759». وهو ما سمح بالكشف عن ذلك الإنحطاط المتفرد للبابوية منذ أولى خطواتها. إذ إن القداسة التي يحاولون إضفاءها اليوم لا وجود لها في تلك الوثائق التي تشكف عن عدم أمانة القائمين على الكنيسة سواء بأيديهم أو بأيدي من عاصروهم. ويكفي أن نطالع ما كتبه ريتشارد بينيت عن «البابوية» قائلاً: «يقدر ما قتلته البابوية بزعم الهرطقة بحوالي خمسين مليونًا من البشر»!

وقد ظلت المسيحية تحارب خاصة أيام سيفريوس (193 – 211) ، وديوكلسيان (284-305) وجاليريوس (303 – 311) من جراء أفعال رجالها ومحاولاتهم المتواصلة للسيطرة على السلطتين : الكنسية والمدنية . ويقول المؤرخ فيليب شان في كتابه عن «تاريخ الكنيسة الكاثوليكية»: «كان يجب حرق أي نسخة من الأناجيل وتجريد المسيحي وحرمانه من الوظائف العامة ومن حقوقه المدنية. وكان على جميع المسيحيين تقديم القرابين للآلهة الرومانية وإلا تم إعدامهم. وقد انتهى الاضطهاد بصدور مرسوم ميلانو عام 313 الذي أباح حرية العقيدة للمسحيين كالوثنيين».

ويقول بينيت ، القس السابق ، في كتابه عن «البابوية» : «وفيما بين القرن الرابع والخامس تمت إذابة الإنجيل الأصلي واستبداله بإدخال الطقوس وبعض الممارسات الوثنية بإضفاء لمعة مسيحية على السطح، وكلما تزايد الابتعاد بين الاثنين تزايد الإلحاح على الجانب الشكلي والسلطوي. وما أن استقرت هذه الواجهة حتى كان لا بد من أن يكون لها ممثلها الرسمي».

وفي أواخر القرن الخامس الميلادي تكون الكهنوت الذي تجرأ على القيام بدور الوساطة بين الأتباع وربهم .. فأصبحت الكنيسة تلك المؤسسة التي يسيطر عليها ذلك التدرج الهرمي من رجال الدين. وبانتقال مقر الإمبراطورية الرومانية إلى القسطنطينية عام 330 تزايدت سلطة أسقف روما معلنًا أنه من حقه اعتلاء عرش روما ليجعل منه مقعدًا جديرًا بحكم يسوع العالمي. وبذلك استولت كنيسة روما على الإمبراطورية الغربية لتصبح مع الوقت امتدادها الحقيقي: أي أن الإمبراطورية الرومانية لم تختفِ، وإنما قد تغير اسم رئيسها من القيصر إلى البابا!

وبينما كان الصراع دائرًا آنذاك بين إنطاكيا والأسكندرية والقدس وروما لمعرفة من في تلك الكنائس ستتولى القيادة، انحصر الصراع بين روما والقسطنطينية إلا أن الإمبراطور جوستيان الأول قد قام بإضفاء السيادة على أسقف روما لتتزعم قيادة الكنائس الأخرى اعتبارًا من 538. ولا يعني ذلك أن جوستنيان قد أسس البابوية ، وإنما قد أرسى قواعدها الأولى. واعتبارًا من العام التالي أصبح في وسع «الحبر الأعظم» وطاقمه تكوين محاكمهم الخاصة وفرض العقوبات على المدنيين الذين لا ينصاعون للأوامر الكنسية وجبروتها. والمعروف أن لقب “الحبر الأعظم” هذا كان أحد القاب القياسرة الرومان واستولى عليه البابوات من ضمن ما استولوا عليه فى مسيرتهم القائمة على التزوير والتحريف !

وفي القرن الثامن بدأت الكنيسة تلوح بوثيقة تسمى «هبة قسطنطين» وثيقة تنص على أن الإمبراطور قد تنازل إلى البابا سلفستر أسقف روما (314 – 335) عن جزء كبير من ممتلكاته وأمواله وقصر لاتران، وهو من أجمل قصور العالم، وتاج السلطة الدينية، والنياشين الإمبراطورية وحليّها، وإمبراطورية بيزنطة «لأنه لا يليق بأي إمبراطور دنيوي أن يمتلك أية سلطة في المكان الذي يوجد فيه رئيس الديانة التي أقامه الله عليها»!!

ثم ثبت أن هذه الوثيقة مزورة، قد تمت صياغتها قبل عام 754. إذ يقول المؤرخ ويلي: «إن ما يثبت تزوير هذه الوثيقة هو أنهم جعلوا قسطنطين، في القرن الرابع، يستخدم اللغة اللاتينية السائدة في القرن الثامن» – أي بعد أربعة قرون من التطوير والتغيير اللغوي! وكانت الكنيسة تسارع بحرق كل من يجرؤ على عدم تصديق هذه الوثيقة أو التشكيك في مصداقيتها. لكنها لم تقم بإعادة ما استولت عليه بموجبها بعد أن انفضح أمرها! وفي القرن التاسع عشر اضطرت الكنيسة إلى الاعتراف بتزوير هذه الوثيقة، والعديد غيرها، ومن السخرية أن تُعرف كل هذه الوثائق المزورة في التاريخ الكنسي بعبارة «التزوير الورع» ، وهو ما سوف نتناوله فيما بعد بشىء من التفصيل !

وفي عام 800 ميلادية ركع شارلمان، ملك البلدان الرومية الجرمانية، أمام البابا ليون الثالث لكي يقوم بوضع تاج الغرب الإمبراطوري على رأسه. واللافت للنظر أنه في عام 538 قام الإمبراطور جستنيان بإضفاء لقب «الحبر الأعظم» على أسقف روما. وبعد 262 عاما ها هو البابا يقوم بتتويج الإمبراطور! وهو ما يكشف عن سرعة الخطوات التي تمت لتغيير الأحوال لصالح البابوية وأطماعها. فقد عم الفساد بصورة فاجرة في المجال البابوي بعد استيلائه على ثروات وممتلكات طائلة بموجب تلك الوثيقة المزورة ..

ويقول الأسقف المؤرخ فروز رنجهام عن بابوات القرون الوسطى وما بعدها: «كثير منهم كانت حياتهم ماجنة، وبعضهم كان يمارس السحر، والبعض الآخر غارق في الحروب والمذابح والمكائد إضافة إلى الإتجار في المقدسات والوظائف الدينية. بل وكان بعضهم لا يمت إلى المسيحية بصلة لانحطاهم الإجرامي وكأنهم أبناء أبيهم الشيطان»، ( “مهد المسيح” 1877). ولا أدل على ذلك من بعض الأقوال المأثورة التي يحفظها لهم التاريخ ، من قبيل الأسقف أوسبيوس (260 – 339) الذي قال: «إنه من أعمال الورع أن نخدع ونكذب إذا أدت هذه الأعمال إلى ازدهار مصالح الكنيسة» ! أو تلك العبارة الشهيرة التي قالها البابا ليون العاشر (1513 – 1521): «كم نعلم تمامًا ما أضفته علينا من مكاسب تلك القصة الخرافية ليسوع» ، ولا نقول شيئا عن عبارة القديس بولس الذى يقول لأهل رومية أن مجد الله قد إزداد بكذبه : ” فإنه إن كان مجد الله قد إزداد بكذبى لمجده فلماذا أُدان أنا بعدُ” (3 : 7).

وفي واقع الأمر إن من يُطلق عليهم الآن فى المراجع «فضائل المسيحيين» كانوا في الواقع قتلة أفظاظًا. فقد عام البابوات في أنهار من الدماء في حروبهم المتعددة الجبهات، ومن أجل تحقيق أهدافهم الدنيوية. فكثير منهم كان لديه المليشيات الخاصة به التي كان يزج بها وسط المعارك. ويكفي أن نطالع ما كتبه سيمون دي سيموندي عن «اقتلاع الكاتار» من «أن الكنيسة قد أمرت السلطة المدنية لفرض عقائدها على الإنسانية بالقتل الجماعي».

ومن أشهر الوقائع التي يحفظها التاريخ عن الصراع بين البابوات نطالع: «عند وفاة الباب فورموزس (896) تولى البابا بونيفاس السادس البابوية لمدة أسبوعين ، ثم استولى البابا اسطفانوس السابع على البابوية. وفي ثورة غضبه الانتقامية لم يقم بتلطيخ سمعة البابا فورموزس فحسب، وإنما أمر بإخراج جثته من القبر، وأجلسها على الكرسي الرسولي وقام بمحاكمته وإدانته ثم أمر بأن تقطع ثلاثة أصابع من يده اليمنى بسبب «اعتدائه على القوانين الكنيسة وعقائدها» !. وتعد هذه المسرحية الإنتقامية من الفضائح التي تكشف عن مدى أخلاقيات تلك الفئة “الورعة”، وقد عُرفت هذه المحاكمة في التاريخ الكنسي باسم « سينودس الجثة»! إلا أن هذه الواقعة قد أثارت الرأي العام ضده ، وبعد فترة تم القبض على البابا اسطفانوس السابع وأودع في السجن ثم مات مخنوقًا ..

ولن نتناول هنا إباحيات وغراميات البابوات وفجورهم السافر وأبناء السفاح الذين كانوا يولدون ، ومنهم من كانوا يرقون إلى درجة البابوية، ولا قيادة بعض النسوة من قبيل تيودورا أو ماروزيا وفضائحهن في البلاط البابوي، خاصة ماروزيا التي حكمت بالفعل من كرسي البابوية – وهو ما يعرفه كل المؤرخون، ويلقبونها بعاهرة البابوات. وهو ما يكشف عن مدى انحطاط فئة من المفترض فيها أنها لا تمثل رأس الكنيسة فحسب، وإنما كل واحد منهم يُعد «مندوب الله على الأرض» كما يقولون.. ولا تكفي هنا عبارة : اللهم لا تعليق، خاصة حول البابا يوحنا الثاني عشر (955-964) الذي قُتل وهو يغتصب إحدى السيدات في ضواحي روما ، وكان القاتل زوجها !..

ولا يسع المجال هنا لنقل كل ما تتضمنه «الموسوعة الكاثوليكية» (15 جزءًا) من جرائم تفوق الوصف، وفضائح لا يعقلها إنسان، خاصة ما قام به بنديكت التاسع من انتقام ومذابح وفتح «القصر الباباوي لحفلات المجون والشذوذ المثلي» مما زاد قوائم الفساد وانتشاره في مختلف التدرجات الكنسية. وبدأت البابوية تفقد احترام العديد من الناس (ج7 صفحة 12) ..

ويقول المؤرخ البريطاني لورد أكتون حول صراعات البابوية: «إن البابوات لم يكونوا قتلة على أعلى مستوى فحسب، وإنما جعلوا القتل أساسًا شرعيًّا للكنيسة المسيحية وشرطًا من شروط الخلاص» (تاريخ كمبريدج الحديث ، ج1 صفحة 677).

ويعلق توني باشبي على موضوع القتل في المفهوم البابوي قائلاً بسخرية: «لعلهم يتخذون من آية إنجيل لوقا مثالاً لهم؛ إذ تقول الآية على لسان يسوع: «أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي» (19: 27). ثم يضيف موضحًا أن هذا النص مخالف لما هو موجود في مخطوطة الكتاب المقدس والمعروفة باسم المخطوطة السينوية (Codex Sinaiticus) الموجودة في المتحف البريطاني منذ عام 1934، إذ تقول الآية: «أحضروا أعدائي هنا، أولئك الذين لم يرغبوا أن أكون ملكًا، واذبحوهم في وجودي» والفرق بين النصين يتطلب إعادة نظر شاملة في تاريخ المسيحية برمتها وفي الترجمات والتعديلات المغرضة للأناجيل ، وخاصة  لحياة يسوع  ، فهذه الآية التى تم تعديلها تكشف عن توجه مختلف تماما ليسوع الذى يأمر بقتل أعدائه الذين لم يرغبوا أن يكون ملكا..

وقد وصل جبروت طبقة البابوات إلى درجة تبرير عملية القتل الجماعي والحروب الصليبية التي بلغ عددها 19 حربًا من 1096 إلى 1571، سواء لمحاصرة الإسلام واقتلاعه أو إبادة الكاتار، أو سلالة فريدريك الثاني، وخاصة إبادة فرسان المعبد الذين تأثروا بالكاتار في رفضهم تأليه المسيح وتأثروا بالإسلام، وكل ما ترتب عليه من عقائد مختلفة عما تفرضه المؤسسة الكنسية وخاصة رفضهم ألوهية يسوع ، و دخول العديد من فرسان المعبد في الإسلام ـ وهى نقطة جديرة ببحث مستقل ..

وكان البابا جريجوار السابع قد أعلن رسميًّا «أن قتل الهراطقة لا يعد قتلاً» وأباح لجنود الكنيسة أن يقتلوا كل من لا يؤمن بالمسيحية. وكانت تلك الفرق تسمى أيضًا «ميليشيات يسوع المسيح» أما الشعب نفسه فقد أطلق عليهم «قاطعي الرقاب»! وهو جيش مكون من مائتي ألف من المشاة، وعشرون ألفًا من الفرسان. وقد تم استخدام هذه الفرق لتخريب وحرق حقول ومزارع الكاتار ومنازلهم، ومن الصعب حصر ذلك الخراب الناجم عن اقتلاع الكاتار ويقدره المؤرخون بأكثر من خمسمائة مدينة وقرية قد اختفت من على الخريطة الأوروبية ..

وقد وصل صراع البابوات على السلطة ورغبتهم في السيطرة على العالم أو التحكم في المجالين السياسي والديني، أن قام البابا بونيفاس الثامن في 18 نوفمبر 1302 بإصدار الخطاب الرسولي الخاص بالسَّيْفَيْنِ: سيف السياسة والقانون، وسيف الكنيسة. وهو الخطاب الذي يقول فيه البابا: «إن السيفين أصبحا في يد الكنيسة، الديني والمدني ، الديني تقوده الكنيسة بأيدي رجال الاكليروس، والمدني تمارسه الكنيسة بأيدي جيشها (…) والسلطة الدينية من حقها إقامة وإرشاد السلطة المدنية وأن تحكم عليها وتدينها حينما تحيد عن الصواب (..) وبالتالي، فأي إنسان يعترض على سيفيّ الكنيسة فهو يعترض على قانون الله » !.

و بذلك استطاع البابا بونيفاس الثامن، الذي يعد آخر بابوات القرون الوسطى الاستيلاء على العديد من الأراضي حتى أطلق عليها «ولايات الكنيسة». وظلت في حيازتها حتى عام 1830 حينما تمكن الجيش الإيطالي الوطني من استعادة الأراضي المسروقة ، سواء بالوثيقة المزورة والمعروفة باسم ” هبة قسطنطين ” أو ما استولى عليه البابوات بعد ذلك ، وتم توحيد إيطاليا وتحديد مساحة الفاتيكان في الحيز الذي يشغله حاليًا.

ويتواصل تاريخ البابوية على نفس الوتيرة من الصراعات والاغتيالات وإن اختلفت المسميات والوسائل، إلا أن ذلك لا يمنع أن الكنيسة الرومية تحمل على عاتقها مقتل أربعين من البابوات، والكثير منهم مات مسمومًا في خضم هذه الصراعات التي هي أبعد ما تكون عن الإنسانية أو الرحمة لكى لا نقول “التسامح“.

ونترك القرون الوسطى وعصر النهضة بكل ما امتلأت به من قصص ومواقف يندى لها الجبين ، وتتعدى نطاق هذا البحث ، لنصل إلى آخر البابوات الراحلين وهو البابا يوحنا بولس الثاني، لنرى كيف يتواصل خط الفساد والإجرام.. فخلال الستة وعشرين عامًا التي ترأس فيها المؤسسة الكنسية ، اعترت حياته العديد من الأزمات، لكي لا نقول الفضائح، ومنها إفلاس بنك أمبروزيانو، وقضية كورت فالدهايم، وانشقاق المونسنيور لوفڤر على الكنيسة الفاتيكانية وأسس كنيسة خاصة، وقضية المونسنيور جير، وقضية الأب بيير، وفضائح الشذوذ الجنسي التي نالت أعلى الرتب في الفاتيكان، والاشتراك في حرب رواندا حيث أدين بعض الكنسيين في عمليات قتل جماعية، ألخ ألخ..

لكنا نتوقف عند أولى هذه المجموعة من الأزمات ، لأنها فضحية كاملة شاملة تجمع بين العديد من العناصر والجرائم التي دأبت عليها تلك المؤسسة، ألا وهي : عملية إفلاس بنك أمبروزيانو..

ويمثل إفلاس بنك أمبروزيانو بداية فضيحة كبرى، في مطلع الثمانينيات من القرن العشرين ؛ إذ تورط فيها الفاتيكان والمحفل الماسوني السري P2 والمافيا الإيطالية. وكان المبلغ المختفي حوالى مليارًا ومائتي مليون دولار..

ففي 18 يونيو 1982 تم العثور على روبرتو كالفي رئيس البنك مقتولاً تحت أحد كباري لندن ، وكان ببيتو كاللو قد أعطى للمدعو كالفى مبالغ طائلة ليدخلها في عمليات غسيل أموال ؛ إلا أن البنك – وهو بنك الفاتيكان، واسمه بالتحديد بنك «المؤسسة الخاصة بأعمال الدين» التابع للفاتيكان .. إلا أن رئيس البنك قد استخدم هذه الأموال في الصرف على عمليات سياسية يقوم بها الفاتيكان، وهي اختلاق حزب تضامن في بولندا ، واقتلاع كنيسة لاهوت التحرر في أمريكا اللاتينية ، وغيرها من الأحداث التى باتت معروفة.. وبذلك يعد – في نظر ببيتو كاللوا من المافيا، أن رئيس البنك روبرتو كالفي لم يقم بغسل الأموال في مشاريع ما وفقا لما طلبه منه ، وإنما تم صرفها في مجال آخر، لذلك وجب قتله..

والغريب أن القضية لم تفتح رسميًّا إلا في 6 أكتوبر 2005، أي بعد الأحداث بثلاثة وعشرين عامًا، قام الفايتكان خلالها ، وتحديدا البابا يوحنا بولس الثاني، الذي دافع باستمامة عن كالفي ، وخاصة عن الأسقف مارسينكوس الذي كان يترأس «المؤسسة الخاصة بأعمال الدين» وكلاهما أعضاء في المحفل الماسوني .. أما ليتشيو جللي الرئيس المبجل للمحفل الماسوني P2 فكان متورطًا مع المافيا ومع البنك في تمويل عمليات غير مشروعة.. وبتفتيش الفيلا الخاصة به تم العثور على 170 كيلو جرامًا من الذهب ، وفي حسابه المصرفي في جنيف 36 مليونًا، إضافة إلى العديد من الوثائق الخاصة بالبنك والمشاريع الأخرى ..

أما حقيقة مقتل روبرتو كالفي فيرجع إلى أنه كان يتباهى بمساعدته للبابا في العمليات المالية الخاصة بتمويل حزب تضامن في بولندا لاقتلاع اليسار، وخشية أن يقوم بالمساومة خاصة بعد إعلانه أن شخصيات كبيرة أخرى متورطة في القضية!

ومما تضمه جعبة ذلك البابا الراحل أيضا اعتذاره لليهود رسميًّا عما بدر من الكنيسة في حقهم . ففي عام 1986 قام بزيارة الكيان الصهيونى المحتل لأرض فلسطين ، وفي عام 1998 أصدر وثيقة اعتذار رسمية بعنوان : «نتذكر : تأمل في المحرقة» .. والمضحك أنه في قداس يوم 12 مارس 2000 طلب رسميًّا العفو عن كل ما بدر من أعضاء الكنيسة في حق الفرق المسيحية الأخرى ، وقام بتحميل مسئولية محاكم التفتيش طوال الستة قرون على الأتباع الكاثوليك ، فهم الذين قاموا بتنفيذ العمليات ، وليس البابوات أو «الكنيسة» بمعناها المطلق «الإلهي»!

أي أن المؤسسة الكنسية خرجت عن كل ما كانت تكيله من تهم طوال ألفي عام تتهم فيها اليهود، ثم برأتهم رغم كل ما هو وارد من نصوص صريحة، واعتذرت لهم، كما اعتذرت لباقي الفرق المسيحية، لكنها أبت الاعتذار للمسلمين عن كل ما بدر منها من قتل الملايين قديمًا أو حديثًا ولا عن مأساة شعب فلسطين الذي تتحمل الكنيسة الجزء الأساسي من محنته فلولا تبرأة اليهود من دم المسيح ثم الإعتراف بدولة “دينية” لهم لما تم ذلك على الإطلاق.

وإن كان لم يعد للفاتيكان أية جيوش رسمية يحارب بها، فقد قام بتكوين منظمات لا تقل ضراوة عن فرق الجيوش السابقة في قطع الرقاب، وتقوم بتنفيذ كل المخططات المطلوبة.

ومن الملفات المفتوحة حاليًا ، وإن كانت تدور في الكواليس وفي محاولات عدة من التعتيم قضية تواطؤ الفاتيكان فيما يطلق عليه «محرقة اليهود»، من جهة، ومن جهة أخرى عملية تنصير العالم وفقًا لكاثوليكية روما ، وهو القرار الناجم عن مجمع الفاتيكان الثاني (1965)، والذي تم فرض تنفيذه على كافة الكنائس وعلى كافة الأتباع، الكنسيين منهم والمدنيين.

لذلك لا تكف الكنيسة الفاتيكانية عن ترديد أنه لا خلاص إلا بالمسيح، ولذلك تفرض عملية الارتداد على أتباع الديانات الأخرى للدخول في كاثوليكيتها ، ولو باستخدام العنف أو مختلف عمليات الدعاية والإقناع التي تصل إلى درجة غسيل المخ .. وفي سبيل إتمام هذا المخطط تستخدم جحافل جيوش المبشرين الذين يوجدون في كافة المجالات بلا استثناء، من المناصب السياسية والدبلوماسية إلى النشاطات الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والسياحية إلخ .. وهو ما كان البابا يوحنا بولس الثاني قد نص عليه في العديد من خطبه الرسولية أو أحاديثه أو حتى في الكتب الصادرة باسمه.

الأمر الذي يعلق عليه بيير هادوت في بحثه عن «الارتداد» قائلاً: «إن الرغبة في السيطرة على المواطنين بشتى الوسائل تعد السمة الرئيسية للعقلية الغربية الكاثوليكية» ..

أما شارل فوديه الذي يعتبر أن المسيحية «أكبر عملية نصب على وعي الشعوب» ، فيؤكد في كتابه المعنون: «قضية المسيحية» ، أن المسيحية أكبر عملية نصب للسيطرة على العالم عن طريق الخبث والكذب. إذ يقول:

«الكنيسة الكاثوليكية، الممثلة المنحلة لما كانت عليه المسيحية البدائية، نمت وتطورت خاصة عن طريق الكذب، والخشية والعنف والثروة :

– بالكذب: بوعد السُّذَّج بسعادة في مكان افتراضي وبتزوير النصوص.

– بالخشية: بتهديد كل من يرفض الانصياع لها بشتى أنواع العذاب.

– بالعنف: بكل ما مارسته من عنف في الحروب الصليبية، والحروب الدينية ومحاكم التفتيش، ومذبحة سان بارتليمي، وعمليات القمع التي مارسها لويس الرابع عشر لفرض الكاثوليكية على البروتستانت، والرعب الأبيض، والحروب التي تسببت فيها بين الشعوب، مثال حرب 1871 وحرب 1914…

– وبالثروة: بالاستيلاء بأقذر الوسائل على الثروات الخاصة والعامة».. ومن أوصافه للمسيحية أيضًا: «إن المسيحية تتضمن أخطاء بشعة : من قبيل عقيدة الإنسان – الإله، وفي نفس الوقت هو نهائي ولا نهائي، مخلوق وغير مخلوق، جاهل وعليم، تألم ولم يتألم ، إلخ.. ويا لها من كذبة طولها عشرين قرنًا. إنها سُبّة في جبين الإنسانية أن تنحني كل هذا الوقت أمام هذه الخزعبلات المجنونة».

ولا يسع المجال هنا لتناول قضية أخرى خاصة بالبابوية ، ونكتفى بالإشارة إليها باقتضاب ، ألا وهى : ” التاريخ السرى للبابوية ” ، بمعنى أنه بات من المعترف به وإن كان يتم محاصرة الحقائق فى نطاق العلماء والباحثين ، أن هناك خطا مغايرا فى تسلسل قائمة البابوات المنشورة رسميا إلى درجة وجود بابا آخر باسم “بنديكت السادس عشر” فى القرن الخامس عشر ! وليست هذه الواقعة بجديدة فقد كان فى القرن الخامس عشر أيضا بابا باسم يوحنا الثالث والعشرين كالذى وُجد فى القرن العشرين من 1958 إلى 1963 !

فحوالى عام 1370 قررت البابوية ، التى كانت قد استقرت فى بلدة آفينيون بفرنسا منذ مطلع القرن الرابع عشر ، العودة إلى مقرها الأصلى فى روما. إلا ان البابا قد توفى فور عودته .

وعندما حاول الكرادلة الإجتماع لإنتخاب خليفة له ، هاجت الدنيا وماجت فى المؤسسة الكنسية ، لأن معظم الكرادلة كانوا فرنسيين ، بينما الشعب الإيطالى كان مصراً على أن يكون البابا من روما. واندلعت التهديدات، بل يقول لوسيان هلديه أن الأهالى قد أعدوا محارق فى الطرقات لحرق الكرادلة الرافضين لمطلبهم ! وتم الإختيار فى عجالة : البابا أوربان السادس. وكان الإختيار غير موفق فذلك البابا معروف عنه أنه غير عاقل وأنه قام بتعذيب ستة كرادلة ترددوا فى إنتخابه ! وسارع الكرادلة بانتخاب بابا آخر هو : كليمانت السابع الذى عاد إلى مقر البابوية بمدينة آفينيون .. وبذلك أصبح هناك بابوان فى آن واحد أحدهما فى فرنسا والآخر فى إيطاليا وكل واحد منهما يعترف به جزء من الأتباع !

وعند وفاة أوربان فى روما قام المجمع المقدس بإنتحاب خليفة له ، و وعد بأن يعيد للكنيسة الكاثوليكية إتحادها .. وفى هذه الأثناء توفى بابا آفينيون وتم انتخاب بابا جديد ، و وعد هو الآخر بالعمل على توحيد الكنيسة ، وهو القس بدرو دى لونا الذى اتخذ الإسم الكنسى بنديكت الثالث عشر، وقام البابوان بحرمان كل منهما للآخر ، وشعر المجلس الموقر بالحرج وقاموا بانتخاب بابا ثالث هو : اسكندر الخامس ، الذى سرعان ما اغتاله أحد الكرادلة لينصب نفسه بابا متخذ اسم يوحنا الثالث والعشرين !

ويوضح لوسيان هيلديه قائلا : ” ونتيجة لهذا السيرك أصبح هناك ثلاثة بابوات يتقاسمون كعكة المسيحية” ! فتدخل الإمبراطور الجرمانى سيجسموند وتم عقد مجمعا فى بلدة قونسطانس ، وقام بإقالة هذا البابا الأخير ، وحصل على تنازل بابا روما . أما بنديكت الثالث عشر فقد هرب إلى اسبانيا ، واسس كنيسة منشقة تولاها بابوات من بعده يحملون أسماء : بنديكت الرابع عشر ، والخامس عشر، والسادس عشر,, وقد استمر هذا الخلاف حتى أواخر القرن السادس عشر.. بل واستمر سرا طوال القرون التالية . وقد تناول الروائى جان راسباى هذه الجزئية من التاريخ البابوى فى رواية بعنوان : “خاتم الصياد” (1995) .. وهو ما يذكرنا بأحداث رواية ” شفرة دافنشى” للروائى دان براون ، التى تناول فيها العديد من الحقائق التاريخية فى قالب روائى ..

أما الباحث لوسيان هيلديه فيشير إلى أنه “إذا ما تتبعنا هذا الخط الإنشقاقى، وخط البابوات الذين نصبوا أنفسهم ، سوف نصل إلى حقيقة أن كل الأساقفة الذين قاموا بترقيتهم غير شرعيين ، وبالتالى فإن كل القساوسة الذين تمت ترقيتهم تباعا غير شرعيين ، وكل المراسم الخاصة بالزواج والوفاة وغيرها كلها مراسم غير شرعية، وباختصار ، فإن ذلك يعنى أنه منذ الإنشقاق الكبير فى الغرب فيما بين القرن الرابع عشر والخامس عشر ، فإن الكنيسة الحقيقية الكاثوليكية الرسولية والرومية لم يعد لها وجود.

وثيقة حماس الجديدة.. “حماس” تسير على سُنّة “فتح”

عبد الله محمد محمود
مؤسسة دعوة الحق للدراسات والبحوث

بات من الواضح جلياً لكل متابع لـ#وثيقة_حماس الجديدة أن “حماس” تسير على سُنّة “فتح” شبراً بشبر وذراعاً بذراع وأنها قد دخلت بالفعل جحر الضب الذي دخلته فتح من قبل.

وثيقة حماس الجديدة على خطى فتح

وعلى خطى حركة فتح حذو القذة بالقذة جاءت وثيقة حماس الجديدة في 2017م بعد حوالي 30 عاماً على تأسيس الحركة ليحذف منها الدعوة لتدمير إسرائيل لكي تحظى بقبول الأنظمة والدول الغربية، وهو ما يشبه تماما ما فعلته فتح بعد 30 عاماً تقريباً من انطلاقتها هي الأخرى بإلغاء الميثاف الفلسطيني الذي كان يدعو لتدمير إسرائيل عام 1998 هدية لكلينتون بمناسبة زيارته إلى غزة.

لم تكن حماس أول من مارس العمل “المقاوم” ضد إسرائيل فقد سبقها في ذلك جميع المنظمات والفصائل الفلسطينية المعروفة مثل فتح والجبهة الشعبية.

غير أن حماس استطاعت ان تتقدم على من سبقها حين جاءت بمنهج مختلف جديد يجمع بين الدين والمقاومة العسكرية – النهج الإسلامي المجاهد – والذي تزامن مع انتشار مد الصحوة الإسلامية المتصاعدة وهو ما أدى إلى التفاف الشعب الفلسطيني حولها وجعل كثيراً من الشعوب العربية والإسلامية تضع ثقتها في هذه الحركة التي ترفع شعارات العزة والكرامة التي ينشدها كل مسلم.

هذا النهج هو الذي أعطى لحماس الشعبية الكبيرة التي تمتعت بها خلال السنوات الماضية فلو لم ترفع حماس الشعارات “الإسلامية” لما حققت هذا القبول في الداخل والخارج بين الفلسطينيين والعرب والمسلمين، ولو لم تقم بدور المقاومة والجهاد لما حصل لها هذا التأييد الكبير ، فقد صنعت حماس اسمها وارتقت درجات المجد بفضل رفعها لشعارات الإسلام والجهاد وهذا هو رأس مالها الذي بدونه تصبح كأي حركة فلسطينية فاقدة للبريق والشعبية كحزب الشعب وفدا والجبهة الديمقراطية .

سارت حماس على هذا النهج منذ تأسيسها عام 1987 إلى أن استشهد معظم قادتها المؤسسين وعلى رأسهم الشيخين أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وأبطالها المجاهدين في انتفاضة الأقصى ، حيث بدأت تظهر الانحرافات المتتالية عن منهجها الأول وبلغ الانحراف ذروته بعد انغماس حماس في الوحل السياسي ودخولها في السلطة الفلسطينية المنبثقة عن اتفاقات اوسلو والتي كانت تعتبر في نظر حماس خيانة وتفريط وتنازل بل إن الدكتور عبد العزيز الرنتيسي اعتبر ان أي حكومة فلسطينية يتم تشكيلها في الضفة والقطاع ستكون وظيفتها الأولى حماية وحراسة أمن إسرائيل لذلك كانت حماس في ظل وجود الرنتيسي رحمه الله ترفض مجرد التفكير في الدخول إلى هذه السلطة وعندما قام بعض مسئولي حماس بترشيح أنفسهم للانتخابات التشريعية عام 1996 ومن بينهم اسماعيل هنية أصدرت الحركة حينها بياناً حمل عنوان ” كشف اللثام عن وجوه اللئام” تبرأت فيه منهم .

ضياع الشعارات الإسلامية

بعد اغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الذي جاء بعد 40 يوماً على اغتيال الشيخ أحمد ياسين قررت قيادة حماس الجديدة الدخول في الوحل السياسي الذي كانت فتح غارقة فيه منذ سنوات وأعلنت “تهدئة” من جانب واحد حيث توقفت ردود “مقاومتها” على الإجرام الإسرائيلي الذي لم يتوقف للحظة بل ازداد تصاعداً ، ثم قررت حماس الدخول في انتخابات السلطة الفلسطينية حيث انقلب خطابها رأساً على عقب، فالحركة التي كانت تجرم الانتخابات سابقاً عام 1996 – والتي أصدرت حينها بياناً بعنوان “كشف اللثام عن وجوه اللئام” تبرأت فيه من عدد من قيادييها الذين شاركوا في تلك الانتخابات وعلى رأسهم إسماعيل هنية عادت وبقيادة هنية نفسه في 2006 للدخول في انتخابات سلطة أوسلو!-.

وحتى تحصل القيادة الجديدة لحماس على القبول والرضا من الأنظمة العربية والغربية قدمت اخطر تنازل يمس جوهر فكرتها ومبادئها “الإسلامية” بإعلانها المتكرر عبر العديد من قياداتها ومتحدثيها وبياناتها الرسمية في مناسبات مختلفة عن تخليها عن شعاراتها التي جمعت بها الناس حولها ، فغاب عن التداول شعار “الإسلام هو الحل” وتوارات عن الممارسة والتطبيق شعارات الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا – وإن بقيت كشعارات تردد على الألسنة في المسيرات والمهرجانات لكسب المزيد من الاتباع والمحافظة على مناصريها – حيث تواترت تصريحات زعماء حماس بدءاً من رئيس حكومتها اسماعيل هنية وزعيمها خالد مشعل ورئيس المجلس التشريعي عزيز دويك وانتهاءاً بمتحدثيها الاعلاميين بأن حماس حركة تؤمن بالديمقراطية وبالمنهج الديمقراطي – كانت حماس في السابق تعتبر الديمقراطية منهجاً مخالفاً للإسلام!- وأنها تلتزم وتحترم القانون الأساسي الفلسطيني “الوضعي” وأن هذا القانون “الوضعي” هو مرجعيتها في الحكم وأن نصوصه هي الحكم في كل ما شجر بينهم وبين مخالفيهم ، وأنها لن تؤسلم المجتمع ولن تفرض الشريعة ولن تقيم إمارة إسلامية ولن تطبق الشريعة ولن تفرض الحجاب ولن تمنع المشروبات الروحية ولن تغلق دور السينما ، وأنها حركة وسطية معتدلة وليست متطرفة كتلك الحركات التي تنادي بتحكيم الشريعة – أصبحت المطالبة بتطبيق شعار القرآن دستورنا والرسول قدوتنا تطرفاً وتشدداً في نظر حماس المنقلبة على مبادئها – ، ووصل الأمر بحماس إلى حد قتل من دعاها للتحاكم إلى الشريعة واعتقال شيوخ المساجد الذين يتحدثون عن التوحيد وحاكمية الشريعة ومنعهم من الخطابة والقاء الدروس في المساجد وشن حملات محمومة من قبل “جهاز الأمن الداخلي” ضد الدعاة والمجاهدين السلفيين – ولعلها ليست صدفة أن تأتي تسمية جهاز الامن الداخلي بهذا الاسم تطبيقا لما نصت عليه خارطة الطريق من توحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية في ثلاث أجهزة هي الشرطة والأمن الوطني وجهاز الأمن الداخلي وهذه بالضبط أسماء الأجهزة الأمنية في حكومة حماس وللمفارقة فإن حكومة رام الله لم تلتزم بهذه التسميات!-.

وعلى خطى الأنظمة العربية التي تحارب الإسلاميين الذين يطالبون بتحكيم الشريعة أصبح الوصف الرسمي المستخدم من قبل زعماء حماس ومتحدثيها الإعلاميين في وصف المنادين بالتحاكم إلى شريعة الله وترك التحاكم إلى القوانين الوضعية هو “التكفيريين”.

بل إن حكومة حماس تمكنت بقوة أجهزتها الأمنية من فرض القانون الوضعي على الناس وإلزامهم بالخضوع له وفرضت من الضرائب والمكوس رغم الفقر المدقع وظروف الحصار التي يعانيها سكان القطاع ما أرهق الناس وزادهم عنتاً وهو ما تكاسلت عن القيام به سلطة فتح السابقة نظراً لظروف الناس الصعبة بسبب الانتفاضة.

وإذا كان ميثاق حماس الذي وضعه مؤسسوها الاوائل يقول إن فلسطين أرض وقف إسلامي لا يجوز التفريط في أي شبر من ترابها وانها ملك لأجيال المسلمين ولا يستطيع أحد التنازل عن قطعة أرض منها وليس لليهود حق في شبر واحد منها وانها لن تسترجع إلا بالجهاد وأن المفاوضات والمؤتمرات الدولية هي مؤامرات لتضييع الحقوق والتنازل عن الثوابت الفلسطينية فإن حماس اليوم تعلن بكل صراحة ووضوح أنها تقبل بدولة فلسطينية ضمن أراضي عام 1967 وهو ما يعتبر اعترافا ضمنيا بكيان إسرائيل على باقي الأراضي المحتلة عام 1948 – وهو ما قبلت به سابقاً منظمة التحرير الفلسطينية واتهمتها حماس بالخيانة والتنازل والتفريط! – بل إن خالد مشعل زعيم حماس كرر في أكثر من مناسبة عندما سئل عن الاعتراف بإسرائيل أن هذا من صلاحية الدولة الفلسطينية المستقلة التي ستقوم على حدود عام 1967 وأنه عندما يجري استفتاء يقرر الاعتراف بإسرائيل فإن حماس ستحترم إرادة “الناخبين” وستقبل بنتيجة الاستفتاء!!.

بل إن مشعل وغيره من زعماء حماس تحدثوا عن القبول بـ”السلام” مع اسرائيل بعد الحصول على دولة مستقلة على حدود 1967 وهو ما تكرر في أكثر من موقف أثناء لقاءات مشعل مع الرئيس الامريكي الأسبق جيمي كارتر والدبوماسيين الاوروبيين وأثناء زيارته الأخيرة لروسيا!.

ولا يستغرب ذلك إذا ما علمنا أن حماس سبق وأن أعلنت احترامها للمبادرة العربية التي تنص على الاعتراف بدولة إسرائيل مقابل قيام دولة فلسطينية مستقلة على أراضي 1967.

المقاومة لفظ على اللسان ومحاربة على الأرض

لا يستطيع أحد ان ينكر دور كتائب القسام في المقاومة خلال السنوات الماضية. فالعمليات الجهادية داخل تل ابيب والقدس وحيفا ونتانيا والعفولة والخضيرة أدخلت الرعب الحقيقي في قلوب الإسرائيليين وشعرت إسرائيل بالتهديد الحقيقي لأمنها حيث لم يعد الإسرائيلي آمنا على حياته إذا مشى في الشارع أو ركب في الباص أو دخل أحد الأسواق أو المراكز التجارية فتحققت معادلة الرعب المتبادل.

لكننا لا نذيع سراً إذا قلنا أن بعض قيادات حماس السياسية والفكرية لا تحبذ العمل العسكري! وهذا أمر قد لا يعرفه معظم الناس ويكفي ان يعرف الناس أن الشهيد المهندس يحيى عياش – الذي رفع اسم حماس عالياً بسلاحه المبتكر “العمليات الاستشهادية ” والذي غادر الضفة الغربية إلى قطاع غزة بعد التضييق الإسرائيلي عليه في الضفة لم يحظ بالرعاية المناسبة لقائد عظيم في حجمه من قبل قيادة حماس في غزة فقد تنكرت له قيادة حماس منذ اول لحظة وطأت فيها قدماه أرض غزة فلم توفر له مجرد بيت يبيت فيه مع زوجته أو جوال يتواصل فيه مع عائلته ورفاقه المجاهدين مما اضطره للسكن آخر المطاف في بيت مشبوه واستخدام جهاز الجوال الخاص بعميل للاتصال بأسرته ما أدى لانكشافه واغتياله عبر جوال هذا العميل في الوقت الذي كانت فيه قيادة حماس تنفق آلاف الدولارات على مهرجاناتها الانتخابية وكتلتها الطلابية !!-

وبنظرة سريعة على مقاومة حماس نجد أن الحركة التي كانت تنفذ أكثر من عملية كبيرة كل شهر موقعة عشرات الصهاينة بين قتيل وجريح حتى وصلت نسبة الخسائر بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى 1: 4 رغم الفارق الهائل في القوة لصالح آلة الحرب الاسرائيلية فإن مقاومتها تراجعت وتدنت إلى مستوى غير مسبوق منذ دخول قيادتها في الوحل السياسي رغم الزيادة الهائلة في قدراتها التسليحية والتمويلية بالمقارنة بما كانت تملكه من سلاح بدائي وامكانيات ضعيفة ومتواضعة جداً لكنها حققت بها أكبر الخسائر في صفوف العدو الصهيوني.

ففي انتفاضة الأقصى كان عدد قتلى اليهود يعد بالمئات كل عام حتى بلغوا أكثر من ألف قتيل إسرائيلي لكن منذ دخول قيادة حماس في الوحل السياسي لم يقتل من اليهود طوال أربع سنوات عدداً يتجاوز أصابع اليدين!! بل عاش اليهود في أمن وسلام لم يشعروا به منذ بداية انتفاضة الأقصى .

وبلغت “مقاومة” حماس أقصى درجات التدني بعد الحسم العسكري وسيطرة حماس الكاملة على قطاع غزة وهو ما أدى إضافة للمخالفات الشرعية الخطيرة لحكومة حماس إلى خروج الكثير من أفراد ومسئولي كتائب القسام من صفوف حماس وانضمامهم للمجموعات السلفية الجهادية التي تحمل منهج وفكر تنظيم قاعدة الجهاد – وهو ما ادى بحماس إلى توجيه كل قوتها لمحاربة هؤلاء المجاهدين وتشويه صورتهم بدلاً من تصحيح أخطائها وخطاياها الشرعية – بل إن نفس “مجاهدي حماس” الذين كانوا يواجهون الجيش الإسرائيلي بسلاحهم أصبحوا اليوم يعملون بكل قوة على ملاحقة واعتقال ومنع من ينفذ العمليات الجهادية على الحدود مع إسرائيل ، فقد اعتقل العديد من المجاهدين السلفيين وهم يقومون بإطلاق الصواريخ على إسرائيل وتمت ملاحقة الكثير منهم بسبب ذلك وجرى اعتقالهم وسجنهم ، وقد نفذت اجهزة حماس الأمنية العديد من الملاحقات للمجاهدين السلفيين واقتحمت حرمات بيوتهم وصادرت الصواريخ والعبوات والأسلحة المعدة للمواجهة مع العدو الصهيوني .

بل إن حكومة حماس استخدمت ذات المفردات والألفاظ التي كانت تستعملها سلطة فتح سابقاً في وصف المجاهدين ، فقد كان محمود عباس عميلاً وخائناً في نظر حماس لوصفه الصواريخ الفلسطينية التي تطلق من قطاع غزة على إسرائيل بالعبثية وأنها ضد “المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني” وهو ذات الوصف الذي تستخدمه حكومة حماس اليوم في وصف الصواريخ التي يطلقها المجاهدون السلفيون انتقاما لصرخات الأسرى في السجون الإسرائيلية وانتقاماً للاقتحامات الصهيونية للمسجد الأقصى والحفريات المستمرة تحته لتدميره فقد وصف مسئولو حماس هذه الصواريخ بأنها صواريخ ضرار وأنها ضد المصلحة العليا للشعب الفلسطيني وقد صدرت الاوامر المكتوبة لأجهزة امن حكومة حماس باعتقال من يطلق الصواريخ على إسرائيل باعتبارها مخالفة شديدة!!!

وقد سبق وصادرت أجهزة حماس الأمنية العديد من الصواريخ المعدة لضرب العمق الصهيوني والتي تمكن المجاهدون بصعوبة من إدخالها عبر الحدود المصرية ، بل إن الكثير من المجاهدين السلفيين الذين جرى اعتقالهم ويتم استدعاءهم بين الحين والآخر من قبل جهاز الأمن الداخلي تم إبلاغهم صراحة بأنه ممنوع عليهم الجهاد والمقاومة ضد إسرائيل إلا عبر حماس أو الجهاد الإسلامي أو لجان المقاومة الشعبية!!!!.

ولا يستغرب ذلك إذا علمنا أن العديد من قادة كتائب القسام قد هددوا صراحة بمحاربة المجاهدين السلفيين إذا أعلنوا تأييدهم للمجاهدين الذين لا يعترفون بالحدود ويقاتلون لتحكيم الشريعة وأن قطاع غزة هو للإخوان المسلمين وأنهم لن يسمحوا بوجود المجاهدين السلفيين على أرض غزة وهو ما تم ترجمته عملياً بإعدام وقتل أكثر من ثلاثين مجاهداً سلفياً وعلى رأسهم تنظيم جند أنصار الله الذي صادرت حماس كل أسلحته ومعداته وسرقت كل أمواله وتجهيزاته وزجت بمن لم يقتل من أفراده داخل أقبية السجون وجرى انتزاع المعلومات منهم عن عملياتهم ضد إسرائيل وخططهم وتدريباتهم العسكرية، بل وصل الامر بهم إلى الاستيلاء على سلاح المجاهدين ومعداتهم أثناء رجوعهم من تنفيذ إحدى عملياتهم على الحدود الشرقية لقطاع غزة مع إسرائيل – وهو مالم تجرؤ عليه حكومة فتح السابقة على الإطلاق-!.

وإذا كانت حماس تصف السلطة الفلسطينية في رام الله بالتنسيق الأمني مع إسرائيل فإن أجهزة حماس والقسام الامنية تسببت في اغتيال إسرائيل للعديد من المجاهدين السلفيين وذلك عبر التبليغ عن سياراتهم ورصد تحركاتهم وتعميمها بأجهزتها اللاسلكية المراقبة من قبل العدو الإسرائيلي.

ورغم الغبن والظلم الشديد الذي يلقاه المجاهدون السلفيون من قبل حماس وحكومتها وكتائب القسام فإنهم لم يرفعوا السلاح في وجه حماس وآثروا الاستمرار في الجهاد ضد العدو الإسرائيلي وحده رغم شدة الملاحقة والتضييق عليهم وحصارهم إعلامياً والافتراء عليهم بإلصاق التهم الباطلة بهم لصرف الناس عن تأييدهم ومساندتهم.

بعد ان بدأ الانحراف الشرعي والسياسي في حماس وظهر جلياً للعيان تحدث الشيخ أسامة بن لادن مشخصاً ما وصلت إليه حماس بقوله : ” إن حماس أضاعت دينها ولم تسلم لها دنياها” فهل ينتبه المخلصون من حماس ويصححوا مسار حركتهم فالصحوة المتأخرة خير من الاستمرار في الانحدار إلى الهاوية فإن حقيقة حماس اليوم قد تكشفت للكثير من الناس ولم تعد الشعارات تنطلي على الناس فحقيقة ما آلت إليه حماس أنها أصبحت نسخة مكررة من الانظمة العربية المحيطة والسلطة الفلسطينية السابقة رغم محاولات التلبيس والتضليل المستمرة من حماس وإعلامها.