قصة سليمان الحلبي ورفاقه

الكاتب مجهول الهويه

حكاية مؤثرة…تذكرنا ان الأمة الإسلامية جسد واحد…تبدأ فصول القصة…في صباح يوم مشئوم ٍ، جاء إلى مصر فتى فرنسا المبير (نابليون بونابرت)، جاء بجيش جلب في قلبه من نار الحقد والثأر أكثر مما في يده من نار السلاح والعتاد، وحاول نابليون أن يداهن الشعب ويخادعه، فأعلن الإسلام، وأنه جاء ليخلص مصر من ظلم المماليك، وأنه محبٌّ للسلطان العثماني، (يعني جاء للتحرير).

ولكن أمتنا لم يكن قد سقط وعيها بعدُ، فرفضت الاستماع -مجرد الاستماع- إلى دعاوى ذلك السفاح، وبدأت المقاومة، وأخذ السفاح في الانتقام، فكان يقتل كل يومٍ عددًا من المشايخ، ورؤساء المقاومة، ويطوف برءوسهم محمولة على الرماح؛ إرهابًا وتخويفًا… وكان ما كان حتى خرج السفاح هاربًا بجلده، بعد عامٍ واحد لم تستقر له فيه قدم، ولم يهدأ له ليل.

وترك وراءه خليفته (كليبر) الذي أوصاه أن يفعل مثله، في سفك الدماء، وهدم القصور والدور، ومصادرة الأموال، فثارت القاهرة ثورتها الثانية، وكانت ثورة عارمة، واجهت هذا الجيش الفرنسي الذي كان يُرهب أوربا كلَّها.

صمدت القاهرة أمام هذا الجيش المبير صمودًا منقطع النظير، فتعرَّضت للتهديم والتحريق، ونهب الأموال، مع سفك الدماء بغير وازعٍ ولا رادع.

وهدأت الثورة، وظنَّ كليبر أنه قد أخمدها إلى الأبد، ولكن المقاومة كانت قد اتخذت طريقًا آخر، فأنشئت (خلايا سرّية)، كان من مهمة إحداها تخليص البلاد من رأس الشر (كليبر نفسه).

وظهر هنا سليمان الحلبي ورفاقه فمن هو سليمان الحلبي؟!!
سليمان الحلبي (ولد عام 1777، حلب – 1801) طالب سوري كان يدرس بالأزهر، كان عمره 24 عاماً حين اغتال قائد الحملة الفرنسية على مصر (1798م-1801م) الجنرال كليبر (أو ساري عسكر) كما أطلق عليه الجبرتي.

سافر سليمان الحلبي من حلب إلى القدس عندما عاد الوزير العثماني بعد هزيمته أمام الفرنسيين بعد 10 أيام سافر من غزة في قافلة صابون، ووصل القاهرة بعد 6 أيام. ذهب إلى الأزهر وسكن هناك عرف بعض الساكنين معه وهم من مدينة حلب أنة حضر لمقاومة الإحتلال الفرنسي….وحقق الهدف المنشود الذي هاجر لأجله وإستطاع قتل الطاغية كليبر!!!

وبعد أن قتل (سليمانُ الحلبي) كليبر. كيف تصرَّف الفرنسيون أبناء (الثورة) ذات الشعار المثلث؟ الحرية – الإخاء – المساواة!!!

يقول هيرولد -مؤرخ الحملة الفرنسية، نقلاً عن مذكرات أحد رجالها-: “قتلنا بسيوفنا، وخناجرنا جميع من صادفناه من الرجال والنساء والأطفال”!!

ثم قبض على سليمان الحلبي، وبدأ التحقيق بالضرب والتعذيب، وطال التحقيق، لا رغبة في الوصول إلى العدالة “وإنصاف المتهمين، بل الكشف عن شركائهم في الجريمة”، كما قال مؤرخهم (هيرولد).

وانتهى التحقيق إلى تقديم سليمان الحلبي، والشيخ محمد الغَزِّي، والشيخ عبد الله الغَزي، والشيخ أحمد الوالي، وهم أعضاء خلية الجهاد التي كانت مكلفة بهذه المهمة، والتي لم يستطع التحقيق أن يصل إلى أبعد من حدودها، برغم صنوف التعذيب التي صبّت عليهم صبًّا، ثم قُدِّموا للمحاكمة.

المحكمة:
وشُكلت محكمة عصرية من ممثلٍ للادّعاء، وعدد من الأعضاء، وأمين سر، وجميعهم يرتدون الأوشحة، يعلوهم الوقار، يجلسون على منصةٍ مهيبة، ويقف بين يديهم محامٍ فرنسي جاء للدفاع عن المتهمين، وفوق رءوسهم علم الثورة الفرنسية، ولافتة تحمل شعارها المثلث (حرية – إخاء – مساواة)، وبدأت المسرحية، صال ممثل الادعاء وجال، وانبرى له ممثل الدفاع، وبين هذا وذاك مناقشة الشهود، وانتهى عرض المسرحية؛ وصدر الحكم.

الحكم:
بعد هذه المسرحية الرائعة، أصدرت المحكمة العصرية أعجب حكم في التاريخ، بدأ بالكلام الظريف اللطيف الذي جاء في الديباجة؛ بعد الاطلاع على مرسوم تشكيل المحكمة، والاطلاع على مواد القانون برقم كذا وكذا، وبعد سماع الادعاء، ومناقشة الشهود، والاستماع إلى مرافعة المحامي الذي كلفته المحكمة بالدفاع عن المتهمين، (لم يعترف المتهمون بالمحكمة، وقاطعوها، ورفضوا الإجابة على أي سؤال موجه إليهم)، بعد هذا جاء الحكم العجيب الغريب ينص على الآتي:

1- تقطع رءوس المشايخ الثلاثة: محمد الغزي، وعبد الله الغزي، وأحمد الوالي، وتوضع على نبابيت (عِصيّ طويلة) وتحرق جثثهم بالنار.

2- ويكون هذا أمام سليمان الحلبي، وكل العساكر وأهل البلد الموجودين في المشهد.

3- تُشوى يد سليمان الحلبي اليمنى في النار أولاً.

4- إذا نضجت يده تمامًا واحترقت حتى العظم، يوضع على الخازوق، ويرفع إلى أعلى، حتى يراه الناس جميعًا.

5- تترك جثته هكذا حتى تأكلها الطيور والهوام.

6- يطبع هذا الحكم باللغة الفرنسية والعربية والتركية، ويعمم على البلاد.

هذا هو الحكم الذي ابتكر من فنون الوحشية، ما يعجز عنه الشيطان ذاته.

التزييف:
ولكني أقف بالقراء عند فصلٍ من التزييف الذي تعرّضت له الأجيال، وغسيل المخ الذي ابتليت به أمتنا في هذا العصر.

وأول ما في هذا التزوير والتزييف تلك المقولة المسلَّمة سلفًا بأن فرنسا هي التي أخذت بيدنا إلى الدخول في عصر النهضة، والخروج من الظلام والتخلف، وهذه قضية شرحها يطول.

يقول هيرولد (مؤرخهم) -نقلاً عن مذكرات أحد رجال الحملة الفرنسية-: “ساعة قتل كليبر اندفعنا إلى الخارج، فقتلنا بسيوفنا وخناجرنا جميع من صادفناه من الرجال والنساء والأطفال”!! يا لها من حضارة عظيمة تعلمناها!!

والعجيب بالموضوع هو أن هناك بعض المصريين أنفسهم يصفون فرنسا بالبطلة وسليمان الحلبي بالقاتل!!!!
ومن أمثلة هؤلاء الذين مارسوا الزيف والكذب مؤرخ “الحركة القومية في مصر” فيتحدث عن سليمان الحلبي بلفظ (القاتل، الجاني، الجريمة، دم الجريمة، مكان الجريمة، لاذ الجاني)، وكأنه شرطي فرنسي.

فإذا جاء إلى الحكم وطريقة تنفيذه..كذب وزور وأخفى منه مسألة (شوي يد سليمان الحلبي وحرقها حتى العظم بالنار) أخفى هذا تمامًا، ولعلَّه يريد أن يستر على بلاد النور حتى لا يحرمنا من نورها!!!!

والأدهى من ذلك ثناؤه على القضاة الفرنسيين لعدم انفعالهم، وأنهم كان باستطاعتهم أن يأخذوا كثيرًا من الأبرياء بجناية القتل، ولكنهم لم يفعلوا، فكانوا نموذجًا للعدل ومدعاةً للإعجاب!!!….وحسبي الله ونعم الوكيل بكل منافق كاذب…يحاول تلميع صورة القتلى المجرمين اعداء الإسلام….وبالمقابل يشوه صورة المجاهدين….وسبحان الله ما أشبه اليوم بالأمس!!!

والشيء الذي لم يسترع النظر -على أهميته- هو أن هؤلاء الأربعة المجاهدين كانوا من أهل الشام، وباسم الغزو في سبيل الله جاءوا ليدافعوا عن دار الإسلام، فضربوا بذلك المثل في الوقت نفسه للوحدة الإسلامية الحقيقية التي عصامُها ورباطها الإسلام.

والحمد لله لم يكن أصحاب المدرسة الاستعمارية في تفسير التاريخ قد وصل إليهم مصطلح (الإرهاب) بعد، وإلاَّ فإنهم كانوا سيقولون عن سليمان الحلبي والغزَّاوية الذين كانوا معه إنهم إرهابيون أجانب تسللوا عبر الحدود إلى مصر….!!!

وهذا التاريخ أمامكم….مجاهدو الأمس واليوم….إرهابيون!!….وأعداء الله القتلى هم صناع الحضارة والقيم الإنسانية…ولكم بالتاريخ عبرة فهل من معتبر!!

حب الشهوات

بسم الله الرحمن الرحيم

{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } 14 آل عمران

عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة” رواه مسلم

عن أبي إسحاق قال‏:‏ قال البراء بن عازب‏:‏ ألا أعلمك دعاء علمنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ ‏”‏إذا رأيت الناس تنافسوا الذهب والفضة فادع بهؤلاء الدعوات‏:‏ اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك والرضا بقضائك، وأسألك قلباً سليماً ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم‏”‏‏ رواه الطبراني في الكبير والأوسط

أزمـــة رجــــولة

أ.د. خالد يونس الخالدي
استاذ التاريخ في الجامعة الإسلامية بغزة رئيس مركز التأريخ والتوثيق الفلسطيني

ليس كل الذكور رجالاً، ولا كل المؤمنين رجالاً، ولا كل أصحاب العضلات المفتولة، أو الشوارب المبرومة، أو اللحى المسدولة، أو العمائم الملفوفة، أو النياشين البراقة، أو الألقاب الرنانة رجالاً.

وبالرغم من كثرة المسلمين في هذا الزمان واقتراب أعدادهم من المليار ونصف، إلا أني أجزم أن أكبر أزمة تعانيها الأمة الآن هي أزمة رجولة وقلة رجال، وأن هذه الأزمة من أكبر وأهم أسباب ضعفها وانحرافها وهزائمها وبقائها محكومة إلى مجموعة من الرويبضات الذين يحاربون الله ورسوله وأولياءه ويسعون في الأرض فساداً، ويقودون شعوبهم نحو الذل والهزائم ويسومونهم سوء العذاب.

والمتأمل في القرآن الكريم يكتشف أن الرجولة وصف لم يمنحه الحق تبارك وتعالى إلى كل الذكور، ولم يخص به إلا نوعاً معيناً من المؤمنين، لقد منحه لمن صدق منهم العهد معه، فلم يغير ولم يبدل، ولم يهادن، ولم يداهن، ولم ينافق، ولم يتنازل عن دينه ومبادئه، وقدم روحه شهيداً في سبيل الله، أو عاش حياته في سبيله مستعداً ومنتظراً أن يبيعها له في كل وقت، نفهم هذا من قول الله عز وجل:{من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} ، فقد بين سبحانه صفات الرجولة بعد أن أكد أنه من المؤمنين رجال وليس كل المؤمنين رجالاً .

والرجولة وقوف في وجه الباطل، وصدع بكلمة الحق، ودعوة مخلصة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، واستعلاء على الكافرين، وشدة على المنحرفين وأصحاب الأهواء، وابتعاد عن نفاق وتملق ومداهنة السلاطين وأصحاب النفوذ، ومواجهة للظلم والظالمين مهما عظم سلطانهم، ومهما كلف تحديهم، واستعداد للتضحية بالغالي والنفيس والجهد والمال والمنصب والنفس من أجل نصرة الحق وإزالة المنكر وتغييره.

يفهم هذا من موقف مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، لكنه لم يستطع السكوت عندما علم بعزم فرعون على قتل نبي الله موسى -عليه السلام-، وقرر الوقوف في وجه الظلم، ومناصرة الحق، ولم يخش على حياته التي توقع أن يدفعها ثمناً لموقفه، ولم يخش على منصبه الكبير عند فرعون، فنهاه عن قتل موسى-عليه السلام- وحاول إقناعه بأن ذلك ليس من الحكمة والمصلحة، ولم يكتف بذلك، بل توجه إلى موسى وأخبره بما يخطط له فرعون وزبانيته، ونصحه بالخروج من مصر، وقد استحق هذا المؤمن وصف الله له بالرجولة فقال سبحانه:{وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمان، أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم* وإن يك كاذباً فعليه كذبه* وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم، إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} .

وأكد على وصفه بالرجولة في موضع آخر فقال تعالى:{ وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إني لك من الناصحين} . كما يفهم من موقف الرجل الصالح حبيب النجار الذي سمع أن قومه قد كذبوا المرسلين، وهموا بقتلهم جميعاً، فلم يسكت عن هذا المنكر والظلم الذي سيقع على المرسلين، وقرر نصرتهم، فجاء مسرعاً من أقصى المدينة، ودعاهم إلى الحق، ونهاهم عن المنكر، وقد فعل هذا وهو يعلم أن موقفه سيكلفه حياته، فحقق صفة الرجولة، واستحقها من الله تعالى، إذ قال سبحانه:{ وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى، قال يا قوم اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون، ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون، ءأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون، إني إذاً لفي ضلال مبين، إني آمنت بربكم فاسمعون} . ودفع هذا المؤمن الرجل ثمن موقفه كما توقع، فقت لوه، فتقبله الله شهيداً، ورضي عنه، ورفعه مباشرة إلى الجنة { قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين” ، وقد استحق بسبب رجولته وغضبته لله أن يغضب الله له وينتقم من أعدائه ويدمرهم { وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء، وما كنا منزلين. إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون} .

والرجولة ثبات على الحق، ومحافظة على العبودية لله، وصمود أمام مغريات الدنيا وشهواتها، وكل ما يشغل الناس العاديين ويلهيهم عن ذكر الله تعالى وطاعته والتقرب إليه، يفهم هذا من وصفه سبحانه وتعالى لهذا النوع من المؤمنين بالرجولة في قوله عز وجل:{ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً ًتتقلب فيه القلوب والأبصار} .

والرجولة قوامة على النساء، ومن لا يملك هذه القوامة، ويرضى بأن تكون المرأة قوامة عليه حاكمة له، ويدعها تنحرف وتتبرج، وتفعل ما تمليه عليها أهواؤها، فهو لا يستحق وصف الرجولة، وإنما وصف الذكورة فقط، لأن الحق جل وعلى أكد أن الذي يملك القوامة هم أصحاب الرجولة حيث قال:{ الرجال قوامون على النساء…} .

والرجولة تحريض على الجهاد، وتشجيع على مواجهة الباطل، وابتعاد عن التثبيط والتعويق للصف المؤمن- ولو بالكلمة- يفهم هذا من قصة موسى عليه السلام عندما بعث نفراً من قومه لاستطلاع أحوال الجبابرة قبل خوض القتال معهم، فرجعوا يروون لبني إسرائيل ما رأوه من قوتهم، فأخافوهم، بينما كتم اثنان منهم أخبار قوة الجبابرة، ولم يخبرا إلا موسى- عليه السلام-، وأخذا يشجعان قومهما على الجهاد في سبيل الله، وقد استحق هذان المؤمنان على موقفهما هذا صفة الرجولة من الله تعالى الذي قال: { قال رجلان من الذين يخافون، أنعم الله عليهما، ادخلوا عليهم الباب فإن دخلتموه فإنكم غالبون} .
وعند التأمل في واقع المسلمين اليوم على ضوء مفهوم الرجولة في القرآن الكريم يتبين لنا أن الأمة تعاني فعلاً من أزمة رجولة. فسكوت حكام المسلمين عن مقدساتهم التي تدنس، ودمائهم التي تنزف، وكرامتهم التي تمتهن، وأعراضهم التي تنتهك، وأرضهم التي تحتل، وثرواتهم التي تسرق، ناتج عن انعدام الرجولة عندهم، فالرجل الحقيقي لا يستطيع أن يلتزم الصمت وهو يرى المسلمين في فلسطين والعراق تمزقهم طائرات اليهود والأمريكان، ولا يطيب له عيش وهو يشاهد ما يفعله أعداء الأمة بحرائر المسلمين وعلمائهم داخل السجون، خصوصاً إذا كان في موضع المسئولية، ويملك الدبابات والطائرات والجيوش الجرارة. لقد كان عرب الجاهلية أفضل حالاً من حكامنا وقادة جيوشنا اليوم، فقد كانوا رجالاً بالرغم من كفرهم، فتجدهم يموتون دفاعاً عن أعراضهم وكرامتهم وشرفهم وأموالهم، وقديماً قال أحد شعرائهم زهير بن أبي سلمى:
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم .

وقال عنترة بن شداد:
لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعز كأس الحنظل .

وأزمة الرجولة لا تنحصر في حكام الأمة فقط، بل لقد أصاب هذا الداء كثيراً من علماء الأمة ومثقفيها وقادة وأفراد حركاتها، فالغالبية العظمى من هؤلاء يسكتون على فساد الحكام، وينافقونهم ويداهنونهم، ويدافعون عنهم، ويهاجمون الشباب الأطهار الأبرار الذين يجاهدون من أجل تحرير أوطانهم من احتلال وهيمنة أعداء المسلمين، وهم جاهزون دائماً لإصدار الفتاوى التي ترضي الأعداء والحكام الخائنين.

لقد شجع النبي – صلى الله عليه وسلم-المسلمين أن يكونوا رجالاً يقفون في وجه الحكام الظالمين، وعد من يقف في وجههم فيقتلونه رجلاً وسيداً للشهداء، حيث قال:{ سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله} ، كما شخَّص عليه الصلاة والسلام حال أمتنا اليوم في حديثه الذي يقول فيه: {يوشك الأمم أن تداعى عليكم من كل أفق، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: و من قلة نحن يومئذ، قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت} .

وأرى أن الوهن وحب الدنيا وكراهية الموت والقتال مرادفات لأزمة أو قلة الرجولة التي تصيب معظم شعوب المسلمين، فلولا هذه الأزمة لوجدناهم يثورون على جلاديهم من الحكام الظالمين الفاسقين وأعوانهم، ويسحقونهم تحت أقدامهم، ولولا هذه الأزمة لما بقيت قبلة المسلمين الأولى ومسجدهم الأقصى يدنس ويمتهن بأقدام اليهود ويئن على مسمع ومرأى مليار ونصف من أبناء أمته منذ عقود عدة، دون أن تمتد له يد تنقذه، ولولا هذه الأزمة لما بقيت طائرات ودبابات وصواريخ وجيوش المسلمين راقدة في أماكنها يأكلها الصدأ، ولتحرك العسكريون وأصحاب الشوارب والنياشين، وما سكتوا عن الحكام الخائنين الذين يمنعونهم من القيام بواجبهم المقدس، ولولا هذه الأزمة لما ترك الفلسطينيون وحدهم لأكثر من نصف قرن يواجهون بصدورهم أعتى آلة عسكرية في المنطقة، فيقتلون ويشردون وتهدم بيوتهم على رءوسهم، وتقلع أشجارهم، ولا يرون من أبناء أمتهم دعماً عسكرياً أو مادياً أو معنوياً. ولولا هذه الأزمة لما كانت المنابر والخطب والكلام هي الوسيلة الوحيدة التي يعبر فيها كثير من المتحمسين عن تعاطفهم مع دمائنا التي تسيل كل يوم في فلسطين، ولما بقيت حدود المغتصبين الطويلة آمنة مطمئنة.

وأخيراً أجد لزاماً على كل مسلم في هذه الأمة أن يسأل نفسه عدداً من الأسئلة.
• هل صدقت ما عاهدت الله عليه ولم أغير ولم أبدل؟
• هل أتمنى الشهادة في سبيل الله بصدق وأسعى إليها؟
• هل أملك الجرأة على قول الحق مهما كانت النتائج؟
• هل أتحرك لإزالة المنكر وتغييره مهما كلفني ذلك من جهد وثمن؟
• هل أبذل ما في وسعي لتغيير حال الأمة السيئ؟
• هل أصمد وأثبت أمام شهوات الدنيا ومغرياتها وأظل أحافظ على عبادتي وعلاقتي بالله؟
• هل أغار على عرضي ومحارمي ومن أعول وأمنعهم من التبرج والانحراف؟
• هل أرفض النفاق والمداهنة والتقرب من السلاطين وأصحاب النفوذ على حساب ديني ومبادئي؟
• هل أنحاز إلى أهل الحق الذين يجاهدون أعداء الأمة؟

فإن كانت إجاباته “نعم” فليحمد الله، وليعلم أنه رجل في الزمان الذي قل فيه الرجال، أما إن كانت إجاباته “لا” فليراجع نفسه، وليعد حساباته، ليكون رجلاً وليس مجرد ذكر، فما أحوج أمتنا اليوم إلى المؤمنين الرجال.

نور البرهان في الرد على ظلمات الإخوان

واحد من المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم
نور البرهان في الرد على ظلمات الإخوان
الذي ينظر إلى حال الإخوان نظرة سطحية سينخدع في أمرهم ،ويظن أنهم يخدمون الإسلام.لكن المتأمل في أحوالهم بإمعان ستنكشف له الحقائق الأليمة.ذلك أن جماعة الإخوان منذ نشأتها إلى الآن تقدم السياسة على الشريعة،وهدفهم الأسمى هو السلطة وكراسي الحكم.وأما الإسلام عندهم فلا أكثر من سلعة يتاجرون بها في سوق السياسة والمصالح،فيلوحون بالإسلام إذا ضيقت عليهم الأنظمة وزجت بهم في السجون.فإذا أفرجت عنهم ووعدتهم بالمناصب ومقاعد البرلمان ليتخلوا عن شعاراتهم الإسلامية فعلوا ،وباعوا الدين بأبخس الأثمان.
وليس هذا الكلام إفتراءا عليهم بل تشهد به أعمالهم وأقوالهم.فقبل ثورة 25 يناير كان الإخوان يرفعون شعارات:”الإسلام هو الحل-الرسول قدوتنا والقرآن دستورنا….”.أما بعد الثورة عندما حانت لهم فرصة دخول الإنتخابات بحرية تخلوا عن تلك الشعارات ،ورفعوا شعارا آخر هو “نحمل الخير لمصر”.وقالوا “لسنا جماعة دينية بل مشروع حضاري”.وقرض صندوق النقد الدولي الذي كان حراما في عهد مبارك ولا تحتاجه مصر أصبح حلالا في عهد مرسي ،ودليلا على نمو الإقتصاد المصري.كذلك رفض الإخوان وحزب النور المشاركة في مليونية تطبيق الشريعة التي نظمتها كوادر شبابية في ميدان التحرير.ولا مانع لديهم من حضور حفلة رقص في الغردقة كما فعل أحد كوادرهم وهو حلمي الحداد،من باب”فقه الواقع” الذي اخترعوه ليبرروا به خطاياهم.أما كوارثهم في سائر بلاد المسلمين فكثيرة ولا يسمح المقام هنا بالدخول فيها.
آخر مصائبهم التي عرفتها هو فيديو على اليوتيوب يظهر تواجدهم في مجلس العموم البريطاني ،ويوجه شخص هذا السؤال إلى”كبيرهم”:هل توافقون على وجود أقلية من الملحدين والشواذ في مجتمعكم وتعترفون بحقوقهم؟ فرد ذلك القيادي الإخواني،وبئس ما قال:”إن الشريعة أعطت الحق للملحدين وغيرهم في العيش بين المسلمين،ولا يحق للحاكم أو المجتمع أن يجبر هؤلاء على ترك ماهم عليه،واستشهد بآيات من القرآن الكريم مثل قوله تعالى:(أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) يونس 99،وقوله تعالى:( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فيكفر) الكهف29.
بداية نقول إن القرآن كالغيث النازل من السماء .فالمطر إذا نزل على أرض طيبة أنبتت شجرا طيبا له ثمار يأكل منها الإنسان والحيوان،وإذا نزل على أرض خبيثة أنبتت نباتات سامة تقتل من يأكلها.كذلك القرآن الكريم إذا صادف قلوبا تقية مخلصة أخذته هذه القلوب،وفقهت مقاصده وأحكامه على النحو الصحيح،فملئت الأرض عدلا وأعمالا صالحة ينتفع بها جميع المخلوقات.أما إذا صادف القرآن قلوبا مريضة أولت آياته تأويلا فاسدا،وساقت نصوصه إلى غير مقاصدها،فضلت وأضلت سائر الناس ،ونشرت الفساد في البر والبحر.قال تعالى مصورا هذا المعنى:(يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين) –البقرة 26.
الآية التي استشهد بها الإخواني:(أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)قال فيها ابن عباس:كان رسول الله حريصا على أن يؤمن الناس جميعا،فأخبره الله تعالى أنه لن يؤمن إلا من سبقت له السعادة في الذكر الأول،ولن يضل الإ من سبقت عليه الشقاوة في الذكر الأول،وهذا على سبيل التسلية والتسرية عن النبي(ص)…راجع صفوة التفاسير للصابوني –الجزء الأول-سورة يونس –آية 99.
أما الآية الأخرى في سورة الكهف:(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)فهي ترد على الكفار الذين احتجوا بالقضاء والقدر لكفرهم وقالوا(لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء)-النحل آية25. فردت عليهم آية سورة الكهف وأمثالها في القرآن الكريم بأن الله تعالى أعطى الإنسان حرية الإرادة والاختيار ، وبين له سبيل الحق وسبل الضلال . فالإنسان مخير بين طريقي الخير والشر . وهذا الاختيار هو مناط المسئولية وتبعاتها . فأنت مثلا يمكن أن تسير على طريق الشاطئ الآمن ، ويمكن أن تلقي بنفسك في البحر .ففي الاولى تسلم وفي الثانية تغرق . وهذه الارادة في الاختيار لا تنفي أن يحاسب الإنسان على أعماله في الدنيا والاخرة . ولذلك فحرية الاختيار لا بد أن يترتب عليها الثواب والعقاب . إذ لو فطر الإنسان أو أكره على فعل ما ثم عوقب عليه فقد ظلم ظلما بينا ، والظلم مستحيل في حق الله .
وبناءا على ما تقدم فلو ترك المجال للملحدين والشواذ فإنهم يفسدون في الارض وينشرون الكفر والشذوذ في المجتمع كما تنتشر النار في الهشيم لذا يتوجب عقابهم لردعهم وكف أذاهم عن الناس ، وليكونوا عبرة لغيرهم .
بقي أن نقول للإخوان :إلى أي قرار سيهوى بكم حبكم للسلطة ؟ توبوا الى الله من باطلكم أو اغربوا عن وجوهنا . فالاسلام يتلقى الطعنات من جميع الجهات ، فلا تزيدونا أوجاعا على أوجاعنا .
رابط الفيديو : https://www.youtube.com/watch?v=f6Ny0qaQ1wA

نعمة الفقر في مصر!

محمود حمدون

منذ سنوات بعيدة، حضرت ندوة بأحد فنادق القاهرة التي تقع بحي شهير، وقد عُقدت الندوة في الطابق الثاني عشر بقاعة اجتماعات تطل على نهر النيل في منظر يأخذ بالألباب بحق.

عراقة الفندق والموقع الساحر، والنوعية فائقة الجودة من الخدمة الفندقية، جعلت الحضور وأنا من بينهم، يتناسون الغرض من إقامة الندوة، فجأة ومع بدء فعاليات الندوة، تذكّرنا جميعا أنها عن الفقر والفقراء في عشوائيات مصر!

الحضور كان لفيفًا من جنسيات مختلفة، غالبيتهم من كتّاب ومنظّرين سياسيين نراهم في التلفاز والفضائيات،  سرعان ما بدأت الندوة، احتدم الجدل وتطايرت الإحصائيات والأرقام الدالة على عمق الفقر في عشوائيات وأحياء مصر المختلفة، المؤكدة على قسوة السياسات الحكومية بمختلف الأنظمة السابقة والحالية (وقتها والتي تؤثر الأغنياء على الفقراء), وطرحت أفكار ورؤى للتنمية وللتخفيف من حدة الفقر، تباكى الحضور على الفقراء وتعاطفوا مع قضاياهم، ثمة دموع كانت تترقرق في المآقي، لكنها كانت أقرب لدموع التماسيح.

لم ينسَ الحضور خلال فعاليات الندوة التي استمرت من العاشرة صباحا حتى الرابعة بعد العصر، أخذ قسط من الراحة إذ أن لبدنك عليك حق، فنادى مناد من بيننا  «قوموا إلى البريك يرحمكم الله» و«البريك» أعزّكم الله هي الاستراحة القصيرة التي يرتاح خلالها الحضور من وعثاء المناقشات والجدل الحاد  حول الفقر والفقراء وقضاياهم، يتضمن بعض الأطعمة والمشروبات التي أجزم وأقسم أنني لا زلت لا أعرف أسماءها حتى اللحظة، والحق أن  الحضور استراحوا من الجدل وسخونة المناقشات مرتين «للاستمتاع بالضيافة» ثم غذاء أقل ما يوصف به أنه فاخر للغاية وحوى أصنافًا ما زلت أجهل بعضها حتى اللحظة.

انتهت الندوة بتوصيات وتقارير، وإدانة لسياسات حكومية قائمة ومستمرة، وترسخّ للفقر وتحرم الفقراء من الوصول للخدمات المختلفة.

الحوار كان عن الفقر والفقراء. ومع هذا بعض الحضور ممن نسمع عنهم ومنهم  يتحقق فيهم مصطلح «رغد العيش» فجميعهم  بينهم وبين الفقر بون شاسع وكلهم لم يروا فقيرا سوى في الافلام المصرية القديمة، أو من نوافذ سياراتهم الفارهة، لقد كانت الندوة عن الفقر والفقراء.

لكن لم أرَ فقيرا واحدا إلاّ عند عودتي بالمواصلات العامة، إذ خرجت من جو الفندق العريق (حيث التكييف البارد الهواء والمشبع بالروائح الذكية)، لصهد الجو والحرارة المرتفعة والوجوه الكالحة في أواخر شهر أغسطس، حيث الجماهير الفقيرة العابسة البائسة، لفحة الحر والهجير والرطوبة العالية، أفاقتني من خدر الاجتماع ونعومة اللقاء.

ما أبشع التناقض بين وجوه ضاحكة مستبشرة راضية، كانت منذ برهة تتباكى على الفقراء في مصر، وبين أخرى عابسة مرهقة تتناوشها الأمراض الجسدية والعلل النفسية.

هكذا كانت ولا زالت تسير الحياة بمصر، علاقة جدلية مستمرة بين طرفين، المسافة بينهما ثابتة، طرف فقير يعاني وآخر يتحدث عنه وباسمه ومن المؤكد أنه يحقق منفعة ووضعًا سياسيًّا واقتصاديًّا أو أكاديميًّا بسببه.

فأصبح الحديث عن الفقر والفقراء في مصر حرفة ومهنة يجيدها البعض، وربما كان هؤلاء دعاؤهم في جوف الليل «اللهم أدم الفقر بمصر واجعل لنا خيرا من ورائه».

الانحياز التّأكيدي.. الناس يفكرون بعواطفهم لا بعقولهم.. ويصدقون ما يريدونه وليس الحقيقة!

عادل عكاشة

توجَد عقولٌ كثيرة في هَذا العَالم، فلَست أنتَ وَحدك مَن تُفكِّر، فكمَا تنبُع مِن فِكرِك الأفكَار، فإنهَا تنبُع من فِكرٍ آخر أيضًا، والأمرُ ما هو إلا وَجهان لعُملةٍ واحِدة، عملة تَتنافر عليهَا فكرتان، كلٌّ منها رابِحة على وِجهتِها، لكنهُما مُتناغمتان مُترابِطتان يحكُمهُما توازن سَليم.

وهَذا يذهبُ بِنا إلى الطابِع البشري، الّذي تجذبه سُلطة الأفكار والسّيطرة الدّائمة، حتى وإن كانتْ سيطرة على مُعتقدٍ مُعيّن أو فِكرة مُحدّدة، ما إن تظهر ويؤمِن بها من تِلقاء نفسِه حتى يَذهَب إليها عقلهُ وقلبه، ولا يُعنيه إن كانتْ مُستندة إلى دلائِل ومُسلّمات واضِحة، فقط إنّها براهينه ودلائِله وأشياؤه، ويضرب بالمعتقد المضاد عرض الحائِط ويتجَاهلهُ تمامًا، وهذا ما يُعرف بالانحياز التّأكيدي.

فإذا أراد أن يَبحث هذا الشّخص الّذي يعترِف بمصطلح «الانحياز التأكيدي» عن فِكرة معيّنة، فإنه يبحَث عنها وِفقًا لمَا يراه هو صحيح، ولا يأبه لرأيٍ مُخالفٍ لرأيهِ، فيأخذ ما يراهُ صحيح، ويترُك ما لا يُعجبه، وهذا النّوع الأول من أنواع الانحياز التّأكيدي، وهو البَحث المُنحاز عن المعلومَات، وهناك أنواعٌ أخرى كالتّأويل المُنحاز والذّاكرة المُنحازة، وكِلاهُما يُشير إلى التّملك الفكري دون الميول إلى الاستماع والمُقارنة.

فالمُعلم مثلًا الذي لا يبحَث ولا يُقارِن ولا يُفكِّر هو أحد تابعي هذا الأمر، فهو يحاوِل إقناعَك بما لا يقتنِع به هو البتّه، فقط لأنه على انحيازٍ تام للمنظومة التّعليمية غير الرشيدة، فهو يُريد أن يُلقِّن فقط، لا أن يُعلِّم.

ومنها أيضًا أنْ ننحاز لفِكرةٍ دون غيرِها فقط لأنّ أحدًا أشَار علينَا بذلِك، السّيارة نقمة وليست نعمة، هذا التلفاز مفيد لا مُضر، ونحن نأخذ بالرأي والشّكل ونذهب فلا نبحث ولا نُفكِّر، إنما نأخذ الفِكرة لا نعلم عنهَا شيئًا، ونتعصّبُ لها ونحن بِها جاهِلون.

والتّعصب الكَروي أحد الفروع أيضًا، فكُلٌّ يأبه لفريق ما دون النّظر إلى العيوب والمُميزات، هذا رائِع لأنهُ فريقي، وهذا بشع لأنه ليس فريقي، وكل ذلِك يحدُث بدون وعي تام، وفِكر قويم.

أن نرى معلومة في مكان ما فنُصدِّقها دون أن نتأكد من صِحّتها، ونرى بعدهَا بدقائِق معارضة لها فنستنتج أنّا كُنا أغبياء؛ لأنّا سمحنا لغيرِنا بأن يعبث في عقولِنا، ويستغل جهلَنا بأمرٍ ما.

فعندمَا يواجِه الشّخص أفكَار مُتناقِضة فإنه يُفكِّر بها عاطفيًّا لا عقليًّا، ويغلب الجانِب العاطفي على الجانب المنطقي الواضِح، فيغفل عما يريد أن يغفل عنه، ويُصدِّق ما يُريد أن يُصدِّق فقط لأنه كذلِك، وهَذا يُعمي عينيه عن الحقيقة المُسلّم بها، ويدفعهُ إلى كهفِ الأوهام.

نحن نريد أنْ نصدِّق ما نُريده فقط، وهَذا الأمر يُلاحقنا منذ الصِّغر، فنأخذ بفكرة ونُرسِّخها حتى ولو كانت خاطِئة وغير منطقية، نفعل ذلِك فقط حتى نمتَلِك مُسلمات تجعلنَا نُساير العَالم الّذي نعيش فيه، نحنُ لم نتدرّب قَط ّ على المُقارنة والموازنة والتّفكير، تدرّبنا على أن نفعل ذلِك لأنه كذلِك، ولأنّ الصّدق هو الصّدق ناهيك عَن مصدره، لَم ننظُر أبدًا إلى آراء الغَير، ولم نلتفِت إلى مُعارضينا إلا بالسّخرية والاتّهام، لم نُعمِل العقل بالطريقة السّليمة، ولَم نهتم بثقافة المُشاركة وتبادُل الآراء، فقط اهتممنَا بثقافة أن نَربح الجَدال في النّهاية سواء كُنا على صوابٍ أم لا، وهذا ما قذف بِنا إلى حقلِ استعباد الأفكَار، وإلى غيره من الحقول الملوّثة بالمعلومات الخاطِئة والأفكار المُبعثرة، والتي ليست لهَا دليل للصّحة.

عليك بالبَحث والتّفكير والتّحليل السّليم المَنطقي، لا تلتفِت إلى أي خبرٍ وتأخذه فتؤمن به دون وعي، ولا تُعارِض غيرك إلا بعد الاستِماع والتّحليل، وكُن على حيادٍ مُنصف، فاختلاف الرأي لا يُفسِد للوِد قضية، وإذا سُئِلت فلا تقُل: أنا أعلم أنّي على حق! بل قُل: سأُفكِّر!

يوم عرفة….يوم المغفرة

منقول

بعد أيام قلائل سيمر علينا يوم مبارك من أيام شهر ذي الحجة، يوم من الأيام التي أقسم الله بها في كتابه الخالد، هذا اليوم شرّفه الله وفضّله بفضائل عظيمة، اليوم الذي خصه الله بالأجر الكبير والثواب العظيم عن كل أيام السنة، اليوم الذي يعمّ الله عباده بالرحمات، ويكفر عنهم السيئات، ويمحو عنهم الخطايا والزلات، ويعتقهم من النار.. اليوم الذي يرى فيه إبليس صاغرًا حقيرًا.. اليوم الذي أكمل الله فيه الدين، وأتم النعم على المسلمين..

إنه يوم عرفة، يوم التجليات والنفحات الإلهية، يوم العطاء والبذل والسخاء، اليوم الذي يقف فيه الناس على صعيد واحد مجردين من كل آصرة ورابطة إلا رابطة الإيمان والعقيدة، ينشدون لرب واحد ويناجون إلهًا واحدًا، إله البشرية جميعًا.

إنه موقف مصغر عن موقف الحشر؛ حيث يقف الناس في عرفات مجردين من كل شيء، فالكل واقف أمام رب العزة عز وجل.

يتجلى هناك موقف الإنسانية والأخوة والمساواة، فلا رئيس ولا مرءوس، ولا حاكم ولا محكوم، ولا غني ولا فقير، ولا أمير ولا مأمور، ولا أبيض ولا أسود ولا أصفر، الكل عبيد لله، الكل يناجي ربه العظيم؛ لينالوا مغفرته ورضوانه.

فأين من يتعرضون لنفحات الله تبارك وتعالى؟ أين من يتعرضون لمغفرة الله وكرمه؟ أين من يغتنمون هذا اليوم بالتجارة مع الله تعالى كما يغتنمه أهل الدنيا بتجارة الدنيا؟

فضائل يوم عرفة
هذا يوم عرفة، يوم المغفرة، فإذا كان الحجيج وهم واقفون في عرفات ينعمون برحمات الله تعالى وغفرانه ورضوانه، فإن أبواب الرحمة والمغفرة والرضوان مفتوحة أمامنا ونحن في بيوتنا باستغلالنا لهذا اليوم بطاعة الله تعالى… فتعال -أخي المسلم- لكي نتعرف معًا على فضائل يوم عرفة، وما ميزه الله به على غيره من الأيام..

الفضيلة الأولى:
في يوم عرفة نزل قوله سبحانه وتعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا} [الفتح: 2].

هذه الآية العظيمة التي قال عنها اليهود وقد فهموا معناها.. قالوا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنكم معشر المسلمين تقرءون في كتابكم آية، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. فقال عمر لهم: وما تلك؟ قالوا: هي قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا}. فقال عمر رضي الله عنه: والله إني لأعلم في أيّ يوم أنزلت؟ وفي أي ساعة أنزلت؟ وأين أنزلت؟ وأين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت؟ أنزلت ورسول الله فينا يخطب ونحن وقوف بعرفة.

وإكمال الدين في ذلك اليوم حصل؛ لأنّ المسلمين لم يكونوا حجوا حجة الإسلام من قبل، فكمل بذلك دينهم لاستكمالهم عمل أركان الإسلام كلها؛ ولأن الله أعاد الحج على قواعد إبراهيم -عليه السلام- ونفى الشرك وأهله، فلم يختلط بالمسلمين في ذلك الموقف منهم أحد.

وأما إتمام النعمة فإنما حصل بالمغفرة، فلا تتم النعمة بدونها كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ليَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الفتح: 2].

الفضيلة الثانية:
أن يوم عرفة يوم أقسم الله به، والعظيم لا يقسم إلاّ بعظيم، فهو اليوم المشهود في قوله تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: 3].

قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» (رواه الترمذي وحسنه الألباني).

ويوم عرفة هو الوتر الذي أقسم الله به في قوله: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْر} [الفجر: 3]. قال ابن عباس: “الشفع يوم الأضحى، والوتر يوم عرفة”.

الفضيلة الثالثة:
أن يوم عرفة هو من أفضل الأيام عند الله.. إنه يوم مغفرة الذنوب، والعتق من النار، والمباهاة بأهل الموقف، وهذا ما أخبر عنه الصادق المصدوق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُنَّ أَفْضَلُ أَمْ عِدَّتُهُنَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: هُنَّ أَفْضَلُ مِنْ عِدَّتِهِنَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا مِنْ يوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنْ يوْمِ عَرَفَةَ يَنْزِلُ اللَّهُ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إلى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ جَاءُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، يَرْجُونَ رَحْمَتِي وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي، فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ أَكْثَرُ عِتْقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يوْمِ عَرَفَةَ» (صحيح ابن حبان).

عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهي بِهِمُ الْمَلاَئِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاَءِ» (رواه مسلم).

نعم؛ هكذا يباهي الله بأهل عرفة ملائكة السماء، ويقول لهم بكل حب وفخر: «انْظُرُوا إلى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ جَاءُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، يَرْجُونَ رَحْمَتِي وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي».

الفضيلة الرابعة:
أن يوم عرفة صيامه يكفر ذنوب سنتين، وهذا ما أخبرنا به نبينا العظيم صلى الله عليه وسلم بأن صيامه فيه الأجر العظيم والثواب الكبير، هذا الأجر وهذا الثواب هو مغفرة ذنوب سنتين، قال صلى الله عليه وسلم: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» (رواه مسلم).

وهذا إنّما يستحب لغير الحاج، أمّا الحاج فلا يسنّ له صيام يوم عرفة؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم ترك صومه، ورُوي عنه أنّه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة. فليحرص المسلم على صيامه، وليأمر كل منا أهله، ولنجعله يومًا رمضانيًّا من أجل أن ننال مغفرة الله تعالى.

الفضيلة الخامسة:
إن يوم عرفة يوم يغيظ الشيطان، يوم يعمّ الله عباده بالرحمات، ويكفر عنهم السيئات، ويمحو عنهم الخطايا والزلات؛ مما يجعل إبليس يندحر صاغرًا؛ يقول حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو يصف الشيطان وحاله في ذلك الموقف: «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلا أَدْحَرُ وَلا أَحْقَرُ وَلا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِلاَّ مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ. قِيلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلائِكَةَ» (رواه مالك والبيهقي وعبد الرزاق وابن عبد البر).

فأين المسلم الذي يدحر الشيطان ويجعله يتصاغر، وذلك بتقديم الطاعات لله تبارك وتعالى في يوم عرفة؟

أين المسلم الذي يحفظ جوارحه من المعاصي في هذا اليوم المبارك؛ كي يغيظ الشيطان؟

الفضيلة السادسة:
إن يوم عرفة يوم يُرجى إجابة الدعاء فيه، وهذا ما أخبرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (رواه الترمذي وحسنه الألباني). فعلى المسلم أن يتفرغ للذكر والدعاء والاستغفار في هذا اليوم العظيم، وليدعُ لنفسه ولِوالديْه ولأهله وللمسلمين.

لقد كان لسلفنا الصالح في موقف عرفة مآثر لا تُنسى ومواقف خالدة، فقد وقف مطرف بن عبد الله وبكر المزني بعرفة فقال أحدهما: اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي. وقال الآخر: ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله، لولا أني فيهم!

ووقف أحد الصالحين بعرفة فمنعه الحياء من ربه أن يدعوه، فقيل له: لمَ لا تدعو؟ فقال: أجد وحشة. فقيل له: هذا يوم العفو عن الذنوب. فبسط يديه ووقع ميتًا!

وروي عن الفضيل بن عياض أنه نظر إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة، فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقًا -يعني: سدس درهم- أكان يردهم؟ قالوا: لا. قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق.

وقال ابن المبارك: جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه وعيناه تذرفان، فقلت له: مَن أسوأ هذا الجمع حالاً؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر له.

هكذا كان حال الصالحين في يوم عرفة؛ فصوموا هذا اليوم المبارك، وأكثروا من قول “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير”.. أكثروا يوم عرفة من الدعاء وقولوا: اللهم برحمتك التي وسعت كل شيء، نسألك أن تغفر ذنوبنا، وتستر عيوبنا، وتيسر أرزاقنا، وأن تحسن أخلاقنا، وتشفي أمراضنا، وتعافينا وتحفظنا وأموالنا وأوطاننا وأولادنا، وتحقق آمالنا، وتُعِنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وتوفِّقنا لما تحبه وترضاه يا رب العالمين..

لماذ أخفى الله ذاته عن خلقه؟

معز الخليفي

أنا على يقين أن هذا السؤال قد تبادر إلى ذهن أحد منا في يومٍ ما،بقصد أو غير قصد. وهو السؤال الذي يسأله من يريد أن يتعمق في دين الإسلام، أو من يريد الدخول فيه.

فعندما يدعو الداعية إلى الله، وإلى الدخول في الإسلام بالإقناع والحجج والبراهين، يسأله الكافر أو الملحد بقوله: «إن كنت تدّعي أن هنالك إلهًا واحدًا في الكون، فلماذا لا نراه، ولا ننظر إليه صباح مساء، ولماذا أخفى ذاته عنا؟ ألم يكن من الأفضل والأكمل أن يرينا ذاته حتى نعبده حق عبادته ولا نعصيه، وأن نستشعر عظمته حينما نراه يومًا بعد يوم، وبالتالي لن نستطيع أن ننتهك أوامره التي فرضها علينا؟».

كل تلك الأسئلة مشروعة في نظري، والأهم فيها الإجابة عليها بشرح وافٍ يعطي الحجج والبراهين لمن سأل عنها في يومٍ من الأيام، أو لعله يشفي قلبًا حيرانًا، قد توهج عليه حمم ملتهبة ينتظر الماء الذي يطفئها ويبردها.

الذات العلية

حينما عُرج بالنبي محمد -عليه الصلاة والسلام- إلى سدرة المنتهى فوق السماوات السبع، وهي أعلى منطقة قد يصل إليها مخلوق، حتى أن سيد الملائكة جبريل بجلالة قدره، لم يستطع أن يتخطاها ولو بخطوة واحدة، سمع وقتها النبي محمد صريف الأقلام التي تخط وتكتب مقادير الكون والمخلوقات. وكلمه ربه بدون ترجمان أو حجاب، أي بدون واسطة، ونحن لا نعلم ماهية المحادثة التي جرت ، أو كيفية الحديث وطريقته، أو أي شيء يدل على ذلك. بينما النقطة التي نرتكز عليها في هذا الجانب، هي عندما سألته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: «هل رأيت ربك؟»، عندها أجاب: «هو نور أنى أراه». أي هو نور كيف لي أن أراه أو أميزه. وهنا يتوافق قول النبي محمد مع القرآن حينما أشار إلى ذلك «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير».

وفي الحادثة الأخرى حينما ذاب موسى -عليه السلام- شوقًا لرؤية الله بعدما سمع كلامه مباشرة بدون حجاب أو واسطة، تلك الأذن حينما اعتادت على سماع ذلك الكلام المليء بالهيبة والعظمة والجلال، أرادت نظيرتها ورفيقتها في الحياة، ألا وهي العين، أن تشق طريقها هي الأخرى لاستكشاف الكينونة والذات الإلهية، الذات التي طالما سمعتها الأذن واستحسنتها، لكن العين لم يكن لها نصيبٌ في ذلك.

قال موسى حينها «رب أرني أنظر إليك»، ولم يقل إلهي أو خالقي أو سيدي، هنا يتكلم موسى عن الربوبية والتربية الكبرى له من ربه، بعد أن تربى في بيت فرعون التربية الصغرى. التربية التي يربيها الرب لعبده منذ أن يُخلق وهو يكفله ويرزقه ويحفظه ويرشده ويدله عليه. ثم قال«أرني» أي اكشف لي ولو شيئًا قليلًا منك لأنظر إليه، لأن الشوق أذابه وتمكن منه. لكن الردّ أتاه بالنفي، وفي الحقيقة نفيٌ رحيمٌ مثله، قال له «لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني» هنا أراد الربُّ جل جلاله، أن يضرب لموسى وهو المخلوق البشري الذي يسعى ويحب الأشياء الملموسة بين يديه، شيئًا قريبًا منه يراه ويشاهده، ليفهِّمه ويعلمه ويربيه عن نفس الموضوع الذين نحن بصدد الشرح فيه. وعندما كشف الرب العظيم شيئًا من حجابه، «وحجابه النور»، دُكّ الجبل دكًّا، ولك أن تتصور عزيزي القارئ ذلك الجبل العظيم الكبير جبل الطور، بحجارته الصماء الكبيرة، يُدَك عن بكرة أبيه أمام موسى، ومعنى الدك: أي كأنك قصفته بصاروخ من أعلاه فدمرته وأبقيته ترابًا مستويًا، بعكس النسف الذي لا يكون إلا من الأسفل.

ولم يكد يرى ذلك البشر المادي تلك المصيبة والصدمة التي حدثت بين ناظريه حتى صُعق وأغمي عليه، ولا نعلم حقيقة هل صعق بفعل كشف الحجاب عن الذات الإلهية، وأصابه نور الله الذي أصاب أيضًا الجبل، فكل منهما صُعق؟ أم أن موسى صُعق بفعل الصدمة والمشهد الذي حدث أمامه.

وعندما أفاق موسى، علم أنه ليس باستطاعة النفس البشرية المادية الضعيفة أن ترى نورًا يسيرًا في الكون، فكيف لها أن ترى من خلق ذلك النور؟
طبيعة البشر المادية

مما سبق، يمكن لنا أن نستنتج أن النفس البشرية لا ترضى إلا بما تراه، ولا تصدق إلا بما تشعر وتحس به،فعندما تحدثها عن الجنة والنار والحساب والصراط والقيامة، لو لم تكن مؤمنة وواثقة بربها وخالقها، لن تصدق ذلك لأنه شيء غيبي في المخيلات، ولم تعرفه ولم تتطلع على تفاصيله.

وهنا ضرب الله في كتابه مثلًا ببني إسرائيل، وهم كسائر البشر أناس ماديون يحبون الدنيا ويركنون إليها، وقتها واعد الله موسى -عليه السلام- في الميقات ليكلمه، وحدد له موعدًا، فعاجل موسى وأتى قبل الميعاد شوقًا ولهفةً إلى الحديث والأنس مع ربه، عندها أصاب موسى أثر تلك العجلة، وهي أن ابتلاه الله بعبادة قومه للعجل، الذي أوهمهم السامري وصنعه من الذهب والحلي، وقال لهم إن هذا ربكم ورب موسى الذي نسي أن يخبركم به. وهنا تستكمل الصورة والمعاني، اختار لهم عجلًا، جسد له صوت ملموس محسوس، والعِجل من العاجلة أي الدنيا، فأصبحوا يعبدونه ويقدسونه، ويلمسونه بين أيديهم، ويسمعون صوته، أليس لهم بأفضل من الغائب، الرب الذي لا يُرى ولايُسمع ولا يُخاطب؟

ومن أراد أن يفهم مراد الله له، فليتدبر قَصص بني إسرائيل لأنهم أئمة العالمين، وكل ما فعلوه سيفعله أناس من هذه الأمة، حتى من كان يزني بأمه في بني إسرائيل، سيأتي من يزني بأمه في هذا الأمة. ولذا، مصيبة وابتلاء الأمة كانت وستكون في العجل، ليس العجل الذي يؤكل، وإنما عجل الدنيا العاجلة القريبة من الهوى والنفس، وحب التشبث بها، وكراهية الحياة الأخروية غير الواقعية والمحسوسة التي لا يُعرف عنها إلا الأحاديث والأخبار والروايات.

أليس الشيء القريب العاجل، أفضل من البعيد الذي لا يرى؟
السر الخفي في الإخفاء

في هذا الجزء سنحاول أن نعرج بعد أن استعرضنا جزءًا يسيرًا من طبيعة النفس البشرية، عن سر الإخفاء الذي أراد الله أن يكون في خلقه، ولماذا لم يكشف عن ذاته العلية البهية العظيمة؛ لكي نعبده ونوحده دون سواه.

الله جلت قدرته وتبارك اسمه المجيد، عندما ابتلى آدم بالأكل من الشجرة وأنزله إلى أرضه ليستعمره فيها، ويحيا فيها حياته المقدرة له إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لم يخلقه عبثًا ولم يتركه سدى، ابتلى عباده بالتفاوت في الأعمال والنوايا والأحوال لينظر أيهم أحسن عملًا وأجود صناعة وقربانًا له.

فعندما يقول لهم أنا إلهكم وربكم وخالقكم، ويرسل لهم رسله، ويهيئ لهم السماوات والأرض، فهو يعطيهم دلالات وبراهين وإشارات على وجوده وحضوره، وأنه حيٌّ حياةً أبدية لا موت فيها.

ومن يجادل في أحقية رؤية الله الآن، فوالله إن كل ذرة في الوجود تدل عليه، شمسه حين تشرق وحينما تغرب، قمره حينما يعود كالعرجون القديم، سماؤه حينما تملأ عينك بها هيبة من صنعتها.

أراه في قطرات الندى على أوراق الشجر وقت الفجر، أنا أنظر إليه نظرًا مبينًا في انتفاخ بطن الحُبلى بجنينها. أتطلع إليه وهو يعطيني ألذ ما طاب من الأطعمة والأشربة التي بين يدي. إني أراه في رموش العينين التي أبدع في رسمها، أراه في رحمته التي تسبق غضبه على خلقه. أنظر إليه حينما تنقطع بي كل السبل وأنا وحيد بين الأمواج في البحار وبين الظلمات، ولا أرى أي إله سواه. أراه في القلب الذي ينبض بسرعة ضاخًا كميات من الدماء في أنحاء الجسد. أنظر إليه في كل زمان ومكان نظرًا حقيقيًّا بصرًا وبصيرةً، وأشتاق إليه. وفي الحياة الأخروية أكمل ما قد بدأت به هنا عندما تَصدُقُ تلك الإيمانيات التي كنت آمنت بها في الحياة الدنيا وأرها عين اليقين، أراها أمامي رأي العين من غير حُجُب.

ولذا اختار الله إخفاء ذاته عن مخلوقاته ليكون لهم ابتلاءً واختبارًا واصطفاءً، وتفاوتًا بينهم ليرى من هو الصادق ومن هو الكاذب، من الذي يستطيع رؤيته في الدنيا بصيرة لكي يراه في الآخرة بصرًا وحقيقةً،وهذا لهو من أشد الابتلاءات التي قد تجدها.

كيف لك أن تؤمن بإله غير حاضر أمامك، لا تلمسه ولا تخاطبه ولا تسمعه؟

وهنا أقول: إني أخاطبه حينما أرفع كفي مرددًا: الله أكبر! يخاطبني حينما يقول لي: «فإني قريب»، أسمعه في الابتلاءات والمصائب التي تحدث لي حينما يهمس في أذني وماذا يريد أن يقول لي. أشعر به حينما أستنشق هواءه وأخرجه من أنفي، وحينما أكتب هذه الحروف عنه. فهل بعد ذلك، من شك أنه موجود، وأنه سوف يُرى ويُسمع ويُخاطب مباشرة من غير حُجُب. لكن الخوف كل الخوف أن يُحجب عنك في الدنيا بذاته، وأن تكون في الأخرى ممن حُجب عنه، ذلك هو الخسران المبين. «كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون».

ردد: النظر النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك.

من عيون حكايات السخاء القرشي : لم نكن لنأخذ شيئاً أعطيناه

منقول من مدونة أبو جعفر/عبدالله بن فهد الخليفي
http://alkulify.blogspot.be/2016/08/blog-post_5.html

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

أما بعد :

قال ابن أبي الدنيا في مكارم 443 – حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: نا أَبُو هِلَالٍ الرَّاسِبِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: تَفَاخَرَ رَجُلَانِ مِنْ قُرَيْشٍ: رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ هَذَا: قَوْمِي أَسْخَى مِنْ قَوْمِكَ، وَقَالَ هَذَا: قَوْمِي أَسْخَى مِنْ قَوْمِكَ، قَالَ: سَلْ فِي قَوْمِكَ، حَتَّى أَسْأَلَ فِي قَوْمِي، فَافْتَرَقَا عَلَى ذَلِكَ. فَسَأَلَ الْأُمَوِيُّ عَشَرَةً مِنْ قَوْمِهِ، فَأَعْطَوْهُ مِائَةَ أَلْفٍ عَشَرَةَ آلَافٍ عَشَرَةَ آلَافٍ. قَالَ: وَجَاءَ الْهَاشِمِيُّ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، فَسَأَلَهُ، فَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفٍ، ثُمَّ أَتَى الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ: «هَلْ أَتَيْتَ أَحَدًا مِنْ قَوْمِي؟» قَالَ: نَعَمْ، عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ فَأَعْطَانِي مِائَةَ أَلْفٍ، فَأَعْطَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مِائَةَ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، ثُمَّ أَتَى الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: هَلْ أَتَيْتَ أَحَدًا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، أَخَاكَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، فَأَعْطَانِي مِائَةَ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، قَالَ: «لَوْ أَتَيْتَنِي قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَهُ لَأَعْطَيْتُكَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لِأَزِيدَ عَلَى سَيِّدِي» ، فَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا. قَالَ: فَجَاءَ الْأُمَوِيُّ بِمِائَةِ أَلْفٍ مِنْ عَشَرَةٍ، وَجَاءَ الْهَاشِمِيُّ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ وَسِتِّينَ أَلْفًا مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَقَالَ الْأُمَوِيُّ: سَأَلْتُ عَشَرَةً مِنْ قَوْمِي فَأَعْطَوْنِي مِائَةَ أَلْفٍ، وَقَالَ الْهَاشِمِيُّ: سَأَلْتُ ثَلَاثَةً مِنْ قَوْمِي فَأَعْطَوْنِي ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ وَسِتِّينَ أَلْفًا، فَفَخَرَ الْهَاشِمِيُّ الْأُمَوِيَّ. قَالَ: فَرَجَعَ الْأُمَوِيُّ إِلَى قَوْمِهِ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ وَرَدَّ عَلَيْهِمُ الْمَالَ فَقَبِلُوهُ، وَرَجِعَ الْهَاشِمِيُّ إِلَى قَوْمِهِ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ وَرَدَّ عَلَيْهِمُ الْمَالَ، فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوهُ، وَقَالُوا: «لَمْ نَكُنْ لِنَأْخُذَ شَيْئًا قَدْ أَعْطَيْنَاهُ»

هذا خبر رجاله ثقات إلا أبو هلال الراسبي وهو صدوق واختلفوا فيه ولا شك يحتمل في الموقوف وقد فصل أحمد حاله فقال يحتمل إلا في قتادة وحديثه هنا ليس عن قتادة

وحميد بن هلال أدرك هؤلاء ولكن لا يعرف له سماع منهم ويحتمل هذا جداً وقد كانوا يثنون على سعة علمه

وجود عبيد الله بن عباس متواتر كل من ترجم له يذكر جوده وسعة ذلك وأما السبطان فلا تستغرب عنهما فضيلة

وقد أثار عجبي موقف الحسين حين أبى أن يزيد على ما أعطاه أخاه الكبير وكان يسميه سيدي، وقال ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج 21 – أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو الْيَقْظَانِ، حَدَّثَنِي أَبُو عُمَرَ الْمَدِينِيُّ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ أَخِيهِ: «لَأَنْ يُرَى ثَوْبُكَ عَلَى صَاحِبِكَ أَحْسَنُ مِنْ أَنْ يُرَى عَلَيْكَ، وَلَأَنْ تُرَى دَابَّتُكَ تَحْتَ صَاحِبِكَ أَحْسَنُ مِنْ أَنْ تُرَى تَحْتَكَ»

هذا حفيد عبيد الله يقتدي بجده

هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

ظاهرة اختزال الدين …

منقول من مدونة أبو جعفر/عبدالله بن فهد الخليفي
http://alkulify.blogspot.be/2014/08/blog-post_56.html

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

أما بعد :

فإن مواقع التواصل الاجتماعي على ما لها من السيئات تطلعك على ما يسوءك ابتداءً ولكن عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم ، فقد ييسر لك نقد بعض الأمور التي تراها ، ولظروف اكتنفتني تركت كتابة المقالات التأصيلية المطولة منذ زمن ، غير أنني اليوم قد من الله عز وجل علي بشيء من الهمة لكتابة بعض الكلمات التي أرجو من الله عز وجل أن ينفع بها ، إذ أنني لا أجني شيئاً من كتابتها وأزعم أنني أريد الخير للناس

وليستحضر الكاتب والقاريء أننا من تراب وإلى التراب نعود ، وأننا محاسبون على كل كلمة نقولها ، وأهم من الذي نقوله الذي نكتبه فإن الكلمة تقال ويسمعها عدد محدود ثم تنسى في الغالب بخلاف المكتوب وخصوصاً في هذه الأيام فإنها تبقى طويلاً وأرجو من الله ألا يكلني إلى نفسي طرفة عين فأوذيها بكتابة ما يغضبه وأن يلهمني الرشد والصواب

وداعي الكتابة اليوم هو التنبيه على حبالة من حبالات إبليس وهي أن يكون المرء على استقامة في العقيدة في الجملة ، ولكن عنده أخطاء في عدد من المسائل ربما المتعلق منها بالحكم على المخالف وربما المتعلق منها بالتعامل معه وربما بعض مسائل الصفات وربما غيرها وربما هي مجتمعة مع خلل في الفقه والحديث وغيرها من الأبواب

ولو استمر في قراءة كتب السلف وطلب العلم لعلم ما عنده من الخلل وقام بإصلاحه ، ولكنه يشتغل بالدفاع عن عقيدته في الأبواب التي هو مصيب فيها وربما المناظرة عليها والإفراط في ذلك حتى يأتيه الأجل ولم يصلح ما عنده من خلل

ويفتنه ما يراه من صواب نفسه وربما اهتدى على يديه بعض الناس فصار ذلك أدعى لفتنته

فهذا الكرامي إسحاق بن محمش أسلم على يديه من أهل الكتاب والمجوس خمسة آلاف نفساً ومع ذلك كان يضع الحديث لأن الكرامية يجوزون الكذب من أجل الترغيب والترهيب

وكان يعتقد أن جسم ويقول الإيمان باللسان ، فأسلم على يديه هذا العدد وهو ضائع في العقيدة فتأمل هذا المثال

ويقابله ابن الجوزي الذي كان مع حنبليته على عقيدة الجهمية في باب الصفات وأسلم على يديه آلاف اليهود والنصارى

فهذان رجلان يحملان عقيدتان متقابلتان وكل منهما يكفر الآخر ، ومع ذلك كان لكل منهما جهد دعوي عظيم في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام في الجملة

وليعلم أن إسلام الجهمية ليس إسلاماً وكذا إسلام الكرامية ، غير أن المرء إذا دخل في الدين على عقيدة فاسدة فإن ذلك خيرٌ من بقائه على عقيدته الفاسدة الكفرية الأولى لأن ذلك يسهل دخوله في الإسلام الصحيح

وكم واحد حاله يشبه حال هذين اللذين اشتغلا بإصلاح الناس وألهاهما ذلك عن إدراك الخلل في نفسيهما

وهذا يشبه من وجه حال بعض القاديانية الذين صاروا متمرسين بمناظرة النصارى بل لا يدعون المسلمين إلا عن طريق مناظرة النصارى

وقد اعتبر حسن البنا في مقال له في مجلة المنار أن هذا من أخبث وسائلهم لنشر دعوتهم

وهذا ابن الراوندي لما صنف كتاباً أسماه ( الدامغ ) يعارض فيه القرآن ، استسخفه أهل الحديث ولم يعبأوا به ولكن أبا هاشم الجبائي المعتزلي انبرى له وكتب عليه رداً

وكذلك تجد كثيراً من ردود المنتسبين للإسلام على النصارى يكتبها أشاعرة

وهذا له تفسيران

أحدهما : أنه القوم لما كانوا في شك عظيم من اعتقادهم شغلوا أنفسهم بالرد على من هم أبعد عنهم عن الحق تسكيناً لنفوسهم وتثبيتاً لها

ثانيهما : أنهم لما رأوا أن الدعوة المباشرة لأهل السنة لا تجدي لجأوا إلى مثل هذا الطريق لدعوتهم فإن نفوس المسلمين تتوق للرد على المشركين

ولهذا تنبه ابن تيمية لهذا الأمر فسابقهم للرد على الرافضة وبين غلطهم في ردهم على الرافضة في باب القدر ، وكتب على النصارى رداً وكتب في النبوات كتابة بين فيها غلطهم في طريقة إثبات النبوة ، وناقض المناطقة وسفههم هم والمتكلمون جميعاً

وكثير من التبليغيين يثبته على منهجه أنه دعا كثيرين للإسلام واستجابوا ولا يتنبه لما في منهجه من الإحداث ، وأنه لو سار على المنهج السليم لكان إنجازه أعظم ولكان عمله سالماً من كل شائبة والسلامة لا يعدلها

ومن أصلح الناس بإفساد نفسه كان كالشمعة التي تحرق نفسها لتضيء للآخرين

ومن يسلم على يديك على منهج منحرف تؤجر فيه وتؤزر أيضاً ، فتؤجر على تعليمه للإسلام إن كنت موحداً وتؤزر على تعليمه البدع فتأمل هذا جيداً

وكذلك الشاب الذي يهتدي على يد داعية إلى التمسك ببعض الأوامر الشرعية فإن الداعية الذي لقنه قصصاً مكذوبة يؤجر فيه ويؤزر ، وربما كان الوزر أعظم

والهداية لها أسباب _ وليست محصورة بك _ فربما أنت زاحمت سنياً في دعوة هذا الشخص للإسلام أو الاستقامة ، فتكون كطبيب أنقذ جسداً وأعطب عضواً ، ولم يخلِ بين المريض وبين الطبيب الحاذق الذي لو ترك له لأنقذ جسده ولم يعطب أي عضو

وقد كان يقال لنا قديماً ( فلان له فضل عليكم ) لأنه أعطانا بعض الدروس ثم لما تأملت وجدت أنه كان يدرسنا ويخلط حقاً وصواباً ويحول بيننا وبين من هو خير منه وربما نفر من السلف ، الذين لا سلامة من الهوى إلا باتباعهم أما الأحياء فربما خضع لضغط نفسي من هنا أو هناك فدخل عليه هوى خفي فأبعده عن الحق

قال ابن المبارك في الزهد 66 – أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: رَجُلٌ قَلِيلُ الْعَمَلِ قَلِيلُ الذُّنُوبِ أَعْجَبُ إِلَيْكَ، أَوْ رَجُلٌ كَثِيرُ الْعَمَلِ كَثِيرُ الذُّنُوبِ؟ قَالَ: «لَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ» . قَالَ ابْنُ صَاعِدٍ: «يَعْنِي شَيْئًا»

وهذه الحال التي أتكلم عنها قد أسرت الكثير من الشباب المتحمس لدينه فتجد هذا مشتغلاً بالرد على الملاحدة ومناظرتهم وإدراك تفاصيل شبههم والرد عليها ، وذاك مشتغل بالرد على الرافضة والآخر بالرد على النصارى وذاك بالإباضية

وغيرهم شغله الرد على الإخوان والتبليغ

وافتتحت لذلك منتديات حوارية ( أعني الرد على الملاحدة والنصارى والرافضة والإباضية ومنكري السنة ) وتجد الشاب ينفق وقتاً عظيماً في الرد عليهم ويصير متخصصاً في ذلك وربما أسلم على يديه عدد ، ولكنه بعد هذا كله لا يعرف بعض كبريات مسائل العقيدة ، بل ربما لا يعرف بعض السنن في الصلاة بل أبعد من ذلك يجعل إجماعات سلفية في مسائل فقهية في باب الطهارة

ولا أبالغ ولكن أطالبك بأن تأخذ جولة في مدونتي ( جولة جادة )

إلا فاسأل أي شاب ممن أشغل نفسه بالأمور السابقة الأسئلة التالية

هل النور من أسماء الله الحسنى وما الدليل على ذلك ؟

وأعطني خمس معانِ لاسم ( الصمد ) الوارد في سورة الإخلاص ؟

وما معنى قولنا في الصلاة ( التحيات لله ) ؟

وما هي أقوال السلف في اسم الله الأعظم وما وجه كل واحد منها ؟

وماذا قال السلف في تفسير ( طه ) و ( ن) و ( ق ) ؟

اطلب منه الإجابة على هذه الأسئلة دون الاستعانة بجوجل

معظمها متعلق بركن الإيمان الأول ( الإيمان بالله ) ، ولو سألت المتخصص بالرد على النصارى عن دين النصارى في بعض المسائل الكبار التي يعرفها لأجاب على البديهة ، وكذا مناظر الرافضة وكذا مناظر الملاحدة

بل كثير منهم يعرف أسماء الملاحدة وأسماء كتبهم ، أو يعرف أسفار الكتاب المقدس أو يعرف كتب الرافضة وعلماء الرافضة

ولم يقرأ في حياته الشريعة للآجري والسنة لعبد الله والسنة للخلال والإبانة لابن بطة وذم الكلام للهروي

ولو ذكرت له بعض مشاهير التابعين ( في زمن السلف ) كأبي إدريس الخولاني وابن محيريز أبي قلابة وعطاء بن أبي رباح لما عرفهم

بل كثير منهم لم يقرأ الصحيحين مجرد قراءة

وهذه ليست حال الكل ولكنها حال كثيرين ، وباختصار هو يعرف الدين أو المذهب الذي ينقده أكثر من معرفته بالدين الذي يعتنقه وربما أسلم على يديه من يصير أعلم منه لاحقاً بكثير

وكونك تدعو للدين لا يعني أن تنسى نفسك وتصير كمن يوصل الناس إلى باب القصر ولا يدخله أو يقف في أوله

ولست أدعو لعدم الرد على الملحدين أو النصارى أو اليهود أو الرافضة

وإنما أدعو من أغرق في هذا الأمر حتى أنساه تعلم أمر دينه كما ينبغي ، أن يتوقف قليلاً ويتنبه لإصلاح نفسه ويقرأ التفاسير السلفية وكتب السلف في جميع أبواب العلم ويعرض نفسه عليها ويصلحها لئلا يصير ممن يجمع بين الأجر والإثم في دعوته أو جهاده

وليعلم أنه كلما تعلم أكثر كلما كانت حجته أفلج وتأثيره أعظم ، هذا مع الإخلاص ( وأمر المناظرات لبحثه محل آخر وليراجع كلام الآجري في الشريعة وما ذكره الخلال في السنة وما قاله ابن تيمية في الجواب الصحيح )

وسبب كلامي هذا أنني رأيت عقولاً نيرة ونفوساً حريصة على الدين ولكنها تجهل كثيراً منه بفعل الاشتغال الشديد بالمناظرات أو كتابة الردود على هؤلاء القوم

وكثير ممن يدخل في هذا الباب ويبالغ فيه يكون لذلك أثر عكسي على الولاء والبراء عنده

فمن اعتاد سماع كلام الملحدين الغث ربما لانت نفسه ليناً ليس شرعياً تجاه النصارى واليهود خصوصاً إذا كان منهم من يشتغل بالرد على الملحدين

وعدد من المشتغلين بالرد على الرافضة تراه يميع الخلاف مع الأشاعرة ومن هم دون الأشاعرة

وهكذا

وظاهرة اختزال الدين أوسع من هذا ، فمن الناس من يكون همه الجهاد ، ومنهم من يكون همه مسألة العذر بالجهل ومنهم من يكون همه مسألة السمع والطاعة

وسواءً كان مصيباً أو مخطئاً في هذه المسائل تجده يعقد الولاء والبراء عليها دون غيرها من المسائل

فلو جاء شخص وخالف الإجماع في عشر مسائل فقهية وأخطأ ببعض مسائل العقيدة ، ولكنه وافقه في المسألة الكبرى عنده لوجدته يثني عليه ويعتذر له وإن كان مخالفاً له فيما أخطأ فيه

ولو جاء شخص يوافق كلام السلف في المسائل السابقة كلها وينتصر لها ولكنه يخالفه في مسألته الأصلية فله الشتم والتحقير

وإلا ما الذي يجعل سيد قطب عند محبيه معظماً جداً ، ومنتقدوه محتقرون في غالبهم

مع أنهم هم والمنتقدون متفقون بالجملة في مسائل الصفات ومسائل الصحابة والتفضيل والخلافة وآيات الأنبياء وغيرها مما انتقد على سيد واتفق الجميع على أنه وقع فيها

وهذه ليست مسائل خفية وتحتمل الأخذ والرد

ولا أريد أن أجنح كثيراً إلى التمثيل فالأمثلة كثيرة ، فإن كثيراً من الناس يترك المقال ويركز في التمثيل ولا أريد هذا غير أن بعض الأمثلة توضح المقام

ولو قرأ الرجل في كتب السلف لعرف الطريق الصحيح للولاء والبراء وما يوالى وما يعادى عليه حقاً

ولتعلم الإنصاف فليس كل موافق ( علامة ) أو ( فضيلة شيخ ) ولا كل مخالف ( غمر ) و ( جاهل ) و ( لم يدرس على الشيوخ )

فهذا عكرمة مولى ابن عباس نسب إلى مذهب الإباضية وحط عليه الإمام مالك لهذا

وهذا مكحول وقع في القدر وتاب منه وحطوا عليه لذلك

وتجد رجلاً متروكاً كصالح المري أو يزيد الرقاشي لا يعرفان ببدعة وكثير ممن هو دون هذين في العلم سلم من البدع والضلالات

ولكن السلامة من البدعة والضلالة لم تجعل السلف يرفعونهم فوق منزلتهم في العلم

والله عز وجل يحب الإنصاف فلا يجوز أن تصف رجلاً يدرس كتب ابن تيمية ويحارب الاختلاط والتبرج والتشبه باليهود والنصارى بأنه ليبرالي أو يتنفس هو والليبراليون من رئة واحدة

ولا يجوز أن تسكت عمن لا يكفر النصارى ويقول الخلاف معهم ديناميكي وينعى بابا النصارى ويطريه ويحمي كنائسهم ، وتسكت على من يترحم على البابا ثم في هذه الأيام فقط تتذكر رسالة نواقض الإسلام وحكم موالاة المشركين، والعجيب أن أول من أطلق التكفير بالموالاة في هذا الحدث العصري لا يكفر من يسب الله حتى يقصد ولا يكفر عباد القبور ولا يكفر القائلين بخلق القرآن

والنصرة تكون للظالم والمظلوم ، والنصيحة من أعظم النصرة

فمن ترحم على الخميني وأثنى عليه

ومن قال لا نريد إقامة إمارة إسلامية وهذا الكلام الفاضي

ومن لم يحكم الشريعة

كان ينبغي نصرته من ذلك اليوم الذي تكلم فيه بهذا الكلام ونصحه ، وأنتم لا إشكال عندكم في النصيحة العلنية والبراءة العلنية

وعوداً على المقال الأصل ، قد كان لي تجربة في أمر اختزال الدين هذا ، والعكوف على مسائل معينة لا أعرف غيرها واكتشفت أنني كنت في عدد منها بين إفراط أو تفريط لجهلي بسير السلف آنذاك ( ولا زلت أقبع في الجهل غير أنه خف عما كان عليه سابقاً )

ولكن كان من اكثر الأمور التي تفتنني ردود المخالفين علي ومن هو على طريقتي فإن كثيراً منها كان يتسم بالظلم والمبالغة والدعوة لبدعة مقابلة

وصدقني الإفراط والتفريط كل منهما يسوغ وجود الآخر ، ولن يهتدي أحد بكذبك عليه أو شتمه ، وكانت هناك ملاحظات صحيحة ولكنها تساق في سياق تهويلي فيه شيء من الكذب فكانت هذه فتنتي

وقد كان السلف أهل تقوى مع الخصوم فلا يكذبون عليهم ويمطرونهم بالحجج تلو الحجج رحمة بهم وحرصاً عليهم

ومن أعظم الرحمة أن تقول للكافر ( يا كافر ) وللمبتدع ( يا مبتدع ) وأما تمييعك لحقيقة ما هو عليه فهو مكر وتغرير به ، وقد كان السلف وهم أرحم الخلق بالخلق يكثرون من إطلاق هذا في محله

وتسميتك للكفر ( خطأ ) وللضلالة العظمى ( زلة ) ظلم أول ما تظلم به المتلبس بها

قال ابن القيم في الروح :” كَذَلِكَ المداراة صفة مدح والمداهنة صفة ذمّ وَالْفرق بَينهمَا أَن المدارى يتلطف بِصَاحِبِهِ حَتَّى يسْتَخْرج مِنْهُ الْحق أَو يردهُ عَن الْبَاطِل والمداهن يتلطف بِهِ ليقره على باطله ويتركه على هَوَاهُ فالمداراة لأهل الْإِيمَان والمداهنة لأهل النِّفَاق وَقد ضرب لذَلِك مثل مُطَابق وَهُوَ حَال رجل بِهِ قرحَة قد آلمته فَجَاءَهُ الطَّبِيب المداوي الرفيق فتعرف حَالهَا ثمَّ أَخذ فِي تليينها حَتَّى إِذا نَضِجَتْ أَخذ فِي بطها بِرِفْق وسهولة حَتَّى أخرج مَا فِيهَا ثمَّ وضع على مَكَانهَا من الدَّوَاء والمرهم مَا يمْنَع فَسَاده وَيقطع مادته ثمَّ تَابع عَلَيْهَا بالمراهم الَّتِي تنْبت اللَّحْم ثمَّ يذر عَلَيْهَا بعد نَبَات اللَّحْم مَا ينشف رطوبتها ثمَّ يشد عَلَيْهَا الرِّبَاط وَلم يزل يُتَابع ذَلِك حَتَّى صلحت والمداهن قَالَ لصَاحِبهَا لَا بَأْس عَلَيْك مِنْهَا وَهَذِه لَا شَيْء فاسترها عَن الْعُيُوب بِخرقَة ثمَّ اله عَنْهَا فَلَا تزَال مدَّتهَا تقوى وتستحكم حَتَّى عظم فَسَادهَا وَهَذَا الْمثل أَيْضا مُطَابق كل الْمُطَابقَة لحَال النَّفس الأمارة مَعَ المطمئنة فَتَأَمّله فَإِذا كَانَت هَذِه حَال قرحَة بِقدر الحمصة فَكيف بسقم هاج من نفس أَمارَة بالسوء هِيَ مَعْدن الشَّهَوَات ومأوى كل فسق وَقد قارنها شَيْطَان فِي غَايَة الْمَكْر وَالْخداع يعدها ويمنيها ويسحرها بِجَمِيعِ أَنْوَاع السحر حَتَّى يخيل إِلَيْهَا النافع ضارا والضار نَافِعًا وَالْحسن قبيحا والقبيح جميلا وَهَذَا لعَمْرو الله من أعظم أَنْوَاع السحر وَلِهَذَا يَقُول سُبْحَانَهُ فَأنى تسحرون وَالَّذِي نسبوا إِلَيْهِ الرُّسُل من كَونهم مسحورين هُوَ الَّذِي أَصَابَهُم بِعَيْنِه وهم أَهله لَا رسل الله صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ كَمَا أَنهم نسبوهم إِلَى الضلال وَالْفساد فِي الأَرْض وَالْجُنُون والسفه وَمَا استعاذت الْأَنْبِيَاء وَالرسل وأمراء الْأُمَم بالاستعاذة من شَرّ النَّفس الأمارة وصاحبها وقرينها الشَّيْطَان إِلَّا لِأَنَّهُمَا أصل كل شَرّ وقاعدته ومنبعه وهما متساعدان عَلَيْهِ متعاونان

رضيعي لبان ثدى أم تقاسما … بأسحم داج عوض لَا ننفرق”

وقال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (28/54) :” وَقَدْ لَا يَنْقَلِعُ الْوَسَخُ إلَّا بِنَوْعِ مِنْ الْخُشُونَةِ؛ لَكِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ مِنْ النَّظَافَةِ وَالنُّعُومَةِ مَا نَحْمَدُ مَعَهُ ذَلِكَ التَّخْشِينَ”

ولكل مقام مقال ولا يعني هذا التزام الشدة باستمرار ، والشدة لا ترادف الفحش فضلاً عن الظلم وتجاوز الحد وتقصد إغضاب الخصم أو تحزينه بدلاً من تقصد هدايته

غير أن المشاهد في كثير من الردود العصرية يجد أن الحكم على المخالف فيها شبه مهمل ، فتجد المرء منهم يبالغ في الرد على المخالف وتزييف حججه ويأتي بما لا يخطر على البال في الرد على بعض الفرق ، ولكن تجد كتابته خلواً من باب العمل مع هذا المخالف وحكمه في الشرع بل بعضهم ليته لا يتكلم في هذا الباب فإنه محل تخبط كثيرين

فتجد منهم من يناظر الرافضة وينزل الأشرطة والكتب في الرد عليهم حتى يشتهر بذلك ، ثم يفتي بجواز بقاء السنية مع زوجها الرافضي للمناصحة كما أفتى بذلك عثمان الخميس والله المستعان

وهذه سمة عصرية ككثير من سمات هذا العصر التي لم تسبق في تاريخ الأمة ككثرة التصنيف في العذر بالجهل وكثرة التصانيف في الجهاد وهجر المبتدع وضوابط التكفير وضوابط التبديع من أطراف متباينة ، وكثرة التصانيف التي تدافع عن شخص بعينه أو تهاجم شخصاً بعينه

والذي ينظر الإنصاف في عصرنا والظروف العامة التي تحكمه يدرك سبب هذه ( الظواهر التأليفية المعاصرة )

ومن أكثر ما تفوته ظاهرة اختزال الدين في بعض المسائل تفويت منهج السلف في تزكية النفوس كما ينبغي على منهج الصحابة والتابعين

بل كثير منهم لا تجده يهتم بفائدة إلا فيما يتعلق بالمسألة الأصلية في ذهنه فلو عرضت عليه عشر فوائد تنبهه إلى أمور في شخصه لا يطبقها فإنه لا يتفاعل معها بقدر ما يتفاعل مع الفائدة المتعلقة بنصرة مذهبه في مسألته الأصلية

وقد كان السلف يغضبون من الشذوذ الفقهي غضباً يوازي غضبهم في كثير من مسائل المعتقد

فالإمام أحمد لما أفتى أبو ثور بجواز مناكحة المجوسيات قال ( لا فرج الله عمن قال بهذه المقالة )

وأحمد قلما يدعو على أحد ، وموقفهم من أهل الرأي معروف وإن كان تم تتميعه لاحقاً والله المستعان ، وهذا يضرب ظاهرة اختزال الدين في الصميم

وقد كان بعض المحدثين يفتون بتأديب من يحدث ببعض الأحاديث المنكرة كما ذكر ذلك أبو يعلى ذلك في إبطال التأويلات ، وقد جلد بعض المحدثين ألف جلدة بسبب تحديثه بخبر منكر

ولكن مع الاختزال الموجود ما إن توافقني في مسألتي أو مسائل الأصلية فلا يهمني بعد ذلك ما يقع منك وربما كان عندي بعض الديانة لأناصحك ولكن ولائي يكون لك عظيماً أو حتى لا ينقص بل إذا جاء مخالف لنا في مسألتنا وانتقد عليك هذا فسأنبري للدفاع عنك رأساً ولو بالسفسطة

فقد تحصل على ردتي فعل متناقضتين تماماً تجاه سقطة واحدة ولكن لاختلاف الشخص الواقع فيها

فتأتي إلى شخص فتقول فلان الذي يخالفك في مسألة العذر وقع في السقطة الفلانية

فيكون الجواب : ( هذا شيء متوقع هو جاهل أصلاً رد عليه وافضحه هذا المتعالم ) أو نحواً من هذا الكلام

وتأتي إلى نفس الشخص وتقول فلان الذي يوافقك في مسألة العذر وقع في السقطة الفلانية

فيكون الجواب : ( انصحه هو أصلاً يقبل النصح [ وتأمل كيف أنه هو لا ينصحه ] ومن الذي لا يخطيء يا أخي )

فإذا رددت عليه ووجد ردك علمياً كانت آخر ورقة يلعب بها ( أسلوبك يا أخي شديد وأطلقت في الشيخ كلمات لا يستحقها [ وكتلة التقى الذي تتحدث عنه ينبغي ألا يحفل بشدتي ويرجع للحق بل يفرح بها ويقول بذنب أصبته ]

فإذا كان الانتقاد موجهاً من شخص يخالف في المسألة الأصلية كان الدفاع جاهزاً ( يا أخي العالم فلان وقع في كذا وكذا ) أو أي دفاع

والذي تمكن منه التعصب أمام الزلة نفسها قد يكتب رداً ( إذا كان الواقع فيها مخالفاً له ) ويكتب دفاعاً ( إذا كان الواقع فيها موافقاً )

وأما الإمام أحمد فبدع أبا ثور بل جهمه لقوله في حديث الصورة مع أن أبا ثور كان يشهد للإمام أحمد بالجنة ، فهذا الفرق بينا وبين السلف 
ولست أدعو لترك الولاء والبراء على كان يوالي السلف عليه ويعادون ولكنني أدعو لتوسيع ليشمل كل ما كانوا يوالون ويعادون عليه وألا يختزل في مسائل معينة فندخل في إرجاء ( لا يضر مع المسألة الفلانية ذنب ) 

وإنني لأعجب من قوم يتصاحبون سنين ويتبادلون التزكيات حتى إذا فسد ما بينهم صاروا يذكرون لبعضهم لسقطات قبل عشر سنين أو خمسة عشر بل وثلاثين !

وهذا لون من الفجور فريد من نوعه

بل رجلان في مستوى علمي واحد هذا ( علامة ) وهذا ( جاهل ) بحسب الموافقة في المسألة الأصلية بل ربما كان ( الجاهل ) أعلم بكثير

وهنا يحل بعضهم حبوته ويقول ( ليس العلم بكثرة الرواية كما قال البربهاري )

فأقول : فلماذا تصف الجهمية التائهين في مسائل الاعتقاد على مذهب الأشاعرة ب( الأئمة ) و ( الحفاظ )

هذا ما جادت به النفس نصحاً للإسلام والمسلمين وما أبريء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء

وبعضهم شخصه أو شخص شيخه هو المعيار فتجده يلبس ثوب المنصف مع بعض الجهمية ويقول ( خدم الإسلام ) ولكن من يتكلم في شيخه أو شخصه لا يقبل منه صرف ولا عدل 

هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم